ووفق النتائج المؤقتة التي أعلنها رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات الجزائرية كريم خلفان، تصدر حزب جبهة التحرير الوطني النتائج بحصوله على 90 مقعدا، منها 85 داخل الجزائر و5 مقاعد للجالية الجزائرية، متبوعا بحزب التجمع الوطني الديمقراطي بـ73 مقعدا، ثم جبهة المستقبل بـ59 مقعدا، بينما جاءت حركة مجتمع السلم في المرتبة الرابعة بـ43 مقعدا، تلتها حركة البناء الوطني بـ38 مقعدا، ثم الأحرار بـ32 مقعدا، فيما حصل حزب صوت الشعب على 17 مقعدا، وجبهة القوى الاشتراكية على 12 مقعدا.
وفي معرض رده على التساؤلات المرتبطة بنسبة المشاركة، بعدما تخطى العزوف نسبة 78 في المائة، برر خلفان الأمر بالقول إن قراءة هذه النسبة “ينبغي أن تتم في إطارها الدولي الأشمل”، زاعما أن “عددا من الديمقراطيات الراسخة في أوروبا وأمريكا وآسيا تسجل بدورها معدلات مشاركة مشابهة، بل وقد تكون أقل في بعض الحالات”.
وأوضح المسؤول الجزائري أن العملية الانتخابية لا تقوم على إلزام المواطنين بالتوجه إلى صناديق الاقتراع، محملا مسؤولية تعبئة الناخبين وتحفيزهم على المشاركة تبقى للأحزاب السياسية ومختلف الفاعلين السياسيين، عبر تقديم برامج مقنعة وخطابات قادرة على استقطاب الناخبين، وأضاف أن الاستحقاقات الانتخابية تكون مواعيدها محددة بشكل مسبق، ما يتيح للأحزاب الوقت الكافي للاستعداد وبناء تصوراتها وبرامجها والعمل على كسب ثقة المواطنين وإقناعهم بالمشاركة.
وضمت بقية المقاعد أحزابا ذات تمثيلية محدودة، إذ نال كل من حزب الحرية والعدالة وحزب الفجر الجديد ستة مقاعد، وحصل حزب الكرامة على خمسة مقاعد، بينما ظفر كل من حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة العدالة والتنمية بأربعة مقاعد، في حين حصل كل من حزب العمال، وحزب جيل جديد، وحزب تجمع أمل الجزائر على ثلاثة مقاعد، ونال كل من حزب الوحدة الوطنية والتنمية وحركة النهضة مقعدين، بينما اكتفت أربعة أحزاب أخرى بمقعد واحد لكل منها.
وتؤكد هذه النتائج استمرار هيمنة الأحزاب التقليدية على تركيبة المجلس الشعبي الجزائري، إذ احتفظ حزبا جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، اللذان شكلا لعقود العمود الفقري للسلطة السياسية، بموقعيهما في صدارة الترتيب، بينما حافظت أحزاب أخرى توصف بأنها قريية من النظام الجزائري أو متوافقة مع توجهاته على حضورها داخل البرلمان، الأمر الذي يجعل ملامح المؤسسة التشريعية الجديدة أقرب إلى الامتداد للتوازنات السياسية القائمة أكثر من كونها تعبيرا عن تحول في الخريطة الحزبية.
وجاء الإعلان عن النتائج في وقت طغى فيه الحديث عن نسبة المشاركة المتدنية، بعدما أخفقت مختلف الإجراءات التي سبقت يوم الاقتراع في رفع الإقبال على صناديق التصويت، حيث كانت السلطات قد وفرت وسائل نقل مجانية للناخبين، ومددت ساعات الاقتراع، وأقرت ترتيبات لتسهيل المشاركة، كما وجه الرئيس عبد المجيد تبون ووزير الداخلية دعوات مباشرة إلى المواطنين للمشاركة، غير أن تلك التدابير لم تنجح في تغيير الاتجاه العام الذي اتسم بعزوف واسع.
ولايمكن النظر إلى هذا العزوف باعتباره حدثا ظرفيا، بل هو امتداد لمسار بدأ مع الحراك الشعبي سنة 2019، حين طالب ملايين الجزائريين بإصلاحات سياسية عميقة، فمنذ ذلك التاريخ، شهدت البلاد انتخابات رئاسية وتشريعية ومحلية، إضافة إلى تعديل دستوري، غير أن نسب المشاركة بقيت دون المستويات التي كانت تراهن عليها السلطات، وهو ما يعكس استمرار الفجوة بين المؤسسات السياسية وجزء واسع من الرأي العام.
واعتبرت هيئات حقوقية وسياسية جزائرية معارضة، تراجع الثقة في الأحزاب السياسية أنه يمثل أحد أبرز أسباب هذا العزوف، في ظل ما يعتبرونه محدودية قدرتها على تجديد خطابها وبرامجها واستقطاب فئات واسعة، خاصة الشباب، كما أن استمرار تصدر الأحزاب التقليدية للمشهد الانتخابي، مقابل الحضور المحدود للقوى الجديدة، عزز لدى شريحة من الجزائريين الانطباع بأن نتائج الانتخابات لن تؤدي إلى تغييرات جوهرية في موازين القوى السياسية.
ويضاف إلى ذلك البعد الاقتصادي الذي بات حاضرا بقوة في المزاج الانتخابي الجزائري، مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب البطالة، ولا سيما في أوساط الشباب، فضلا عن تحديات مرتبطة بالسكن وفرص العمل، حيث أن هذه الملفات الاجتماعية والاقتصادية ساهمت في توجيه اهتمام المواطنين نحو أولوياتهم اليومية أكثر من الانخراط في العملية الانتخابية.














