أثارت جريدة لوموند الفرنسية (Le Monde)، ذات المكانة العالمية في الصحافة، جدلاً واسعاً إثر نشرها سلسلة مقالات بعنوان «L’énigme Mohammed VI» (لغز محمد السادس) ابتداءً من 24 غشت 2025 في نسختها الورقية (عدد 24652) وعلى موقعها الإلكتروني. حيث تتابعت الحلقات في أعداد لاحقة (25 و26 و27 غشت 2025)، كل واحدة منها تتناول جانباً من حياة الملك محمد السادس ومؤسسات الدولة المغربية، مستخدمة عناوين مثيرة من قبيل «À l’heure de la fin de règne» (في زمن نهاية الحكم)، و «Le monarque des réformes inachevées» (ملك الإصلاحات غير المكتملة).
إن ما قدمته الصحيفة لم يكن مجرد قراءة تحليلية أو تحقيق ميداني، بل بدا أقرب إلى حملة تشويه ممنهجة غابت عنها الموضوعية وافتقرت إلى التوازن والمصداقية التي كانت تميز الخط التحريري لتلك الجريدة.
أولاً: خرق واضح لأخلاقيات المهنة
إن مهنة الصحافة تقوم على ثلاثة أعمدة: أولها التحقق من المصادر وثانيها الحياد، وثالثها الابتعاد عن الإثارة الرخيصة. في ملف لوموند (ابتداء من عددها 24652 بتاريخ 24 غشت 2025)، انزلقت الصحيفة في منزلق إطلاق أحكام مسبقة حول صحة الملك، واستقرار المؤسسة الملكية، بل وحتى مستقبل العرش، دون تقديم أدلة دامغة أو شهادات موثوقة. هذه الممارسات هي أقرب إلى التشهير منها إلى التحليل الإعلامي الرصين.
ثانياً: تناقض مع سمعة الجريدة
من المؤسف جدا أن صحيفة بحجم لوموند، التي طالما مثّلت نموذجاً في الصحافة الفرنسية والأوروبية، سمحت لنفسها بمثل هذا الانزلاق. فالمقالات التي نشرت ما بين 24 و28 غشت 2025، استبدلت التحليل الرصين بعبارات مثيرة، مما جعلها أقرب إلى “أدب الإثارة” منها إلى تحقيق صحفي رصين يستند إلى وقائع. من هنا يصبح التساؤل عن مدى قدرة الصحيفة على مقاومة إغراءات السوق الإعلامي حتى على حساب رصيدها التاريخي أمرا مشروعا.
ثالثاً: أثر سلبي على مصداقية الصحافة
بعيداً عن مضمون الملف، المشكلة الأكبر هي في ضرب ثقة القارئ في الصحافة. عندما ينشر منبر بحجم لوموند (بتواريخ متتابعة ما بين 24 و27 غشت 2025) مقالات مبنية على إشاعات وتأويلات، فإنه يساهم في ترسيخ خطاب التشكيك في الإعلام الغربي. فبدلاً من فتح نقاش بناء حول الإصلاحات والتحديات التنموية، عززت الصحيفة خطاباً استشراقياً قديمًا -قد استهلك وفقد بريقه- يرى في المغرب بلداً على حافة الانهيار السياسي.
رابعاً: البعد الأخلاقي والمسؤولية الاجتماعية
إن حرية الصحافة لا تعتبر رخصة للانزلاق في براثين التشهير. فالميثاق الأوروبي لأخلاقيات الصحافة (1993)، يشدد على مبادئ الصدق والتوازن واحترام الكرامة والمسؤولية الاجتماعية. وكلها غابت عن هذه السلسلة الخارجة عن السياق والمسار. فإغفال التوازن بين النقد المشروع وبين احترام رموز الأمة يُظهر أن الهدف لم يكن الإخبار بقدر ما كان الإثارة والضغط الرمزي.
عود على بدء
وعليه، فما أقدمت عليه لوموند بين 24 و28 غشت 2025 ليس فقط إساءة إلى المغرب ومؤسساته، بل هو فوق ذلك إساءة إلى الصحافة ذاتها. لقد أثبتت لوموند بفعلها ذاك للعالم أن حتى أعرق المنابر يمكن أن تنزلق إلى الإثارة الرخيصة على حساب الحقيقة. الرد المغربي الأقوى يبقى في التشبث بالثوابت الوطنية وبناء إعلام جاد ومسؤول، قادر على مواجهة الدعاية بالحجة والإنجاز.














