في أجواء أسبوع الموضة “برازيليا تريندز”، أطل القفطان المغربي يوم السبت الماضي بكامل بهائه، حاملا معه إرث قرون من الحرفية والإبداع؛ وقدم من خلال نحو اثني عشر تصميما لوحة حية لمغرب “ألف قفطان وقفطان” تتمازج فيها الخيوط والألوان والتطريزات لتروي بلغة الأناقة الخالدة ثراء هذا التراث وتعدد روافده.
وعلى منصة “دونيا سيتي هول”، توالت القطع كأنها صفحات مفتوحة من كتاب الصنعة المغربية العريقة؛ مزيج ساحر من المخمل والحرير والبروكار، تزينه تطريزات دقيقة، وقصات متباينة، وزخارف تحمل بصمات مدارس حرفية صقلتها أنامل أجيال متعاقبة من الصناع التقليديين.
وكانت هذه الروح في صميم فقرة “الخيوط الدولية”، المخصصة لحوار الثقافات، والتي تقاسم فيها المغرب منصة العرض مع ست دول أخرى، بحضور عدد من الدبلوماسيين والمصممين والإعلاميين.
“القفطان المغربي يمثل إرثا وهوية لكل المغاربة، وتجسيدا حيا لمهارة الصانع التقليدي، وأبهى تجليات الإبداع الفني”، تقول مصممة الأزياء سهام بلامين قبل عرض المجموعة.
هوية تنسجها التفاصيل من فخامة المخمل إلى نعومة الحرير مرورا بثراء البروكار، ومن ألوان الباستيل الناعمة إلى الدرجات الدافئة، ارتكزت التصاميم على توازن دقيق بين الخامة والحجم. ومع مرورالعارضات على المنصة، أخذت التفاصيل تتكشف شيئا فشيئا؛ من دقة التطريز وإحكام القص إلى انسجام الطبقات، في مشهد آسر استوقف الحاضرين ونال إعجابهم.
وتظل “السفيفة” المنسوجة بخيوط الذهب أو الفضة، و”الـعقاد”، إلى جانب “المضمة”، من أبرز العناصر التي تمنح القفطان المغربي هويته المميزة وتوقيعه الخاص.
لكن فرادة القفطان لا تختزل في أسلوب واحد؛ فمن هندسة “الطرز الفاسي” الدقيقة إلى اللمسات البراقة التي تميز المدرسة التطوانية، تتعدد التعبيرات الجمالية بتعدد المدن والمناطق، مما يعكس عمق الثقافة المغربية وتنوعها الفريد.
وتوضح السيدة بلامين أن إنجاز قفطان واحد قد يستغرق أسابيع طويلة، بل أشهرا، ويتطلب أحيانا تضافر جهود نحو سبعة حرفيين، وذلك بحسب الطراز، في إشارة تجسد حجم العمل الدقيق الذي يكمن خلف خفة القطعة وأناقتها الباهرة.
هذا الاشتغال المتقن لم يخف على النظرة الثاقبة للمهنيين البرازيليين؛ فمصممة الأزياء ووس رودريغيز رأت في العرض تجسيدا حقيقيا لـ “الفخامة”، وقالت لوكالة المغرب العربي للأنباء إن “القطع تتميز بدقة فائقة، بدءا من القماش المنظم وصولا إلى جودة التطريز ودقة القص، بما يعكس أصول حرفة رفيعة”.
وأضافت أن العرض “لم ينقل ثقافة فحسب، بل كشف أيضا عن إبداع يدوي راق قادر على الإلهام”.
من المحلية إلى العالمية ظل القفطان، على مدى قرون، جزءا أصيلا من الأعراس والمناسبات الدينية والاجتماعية في المغرب، قبل أن يشق طريقه بثبات نحو منصات الموضة العالمية، محتفظا بصلته الوثيقة بجذوره، ومواصلا، في الوقت ذاته، التجدد والانفتاح على تعبيرات معاصرة.
وتستحضر الذاكرة، في هذا السياق، أسماء لامعة مثل إليزابيث تايلور، التي اقترن القفطان في حضورها ببريق هوليوود، وإيف سان لوران الذي جعل منه منذ ستينيات القرن الماضي، من داخل “فيلا الواحة” في مراكش، قطعة أساسية في الموضة الراقية الغربية.
وفي برازيليا، لم يكن القفطان مجرد زي تقليدي يعبر منصة عرض، بل بدا تراثا حيا قادرا على التجدد من دون أن يفقد أصالته، ونافذة مشرعة تطل منها الثقافة المغربية على جمهور جديد، بما يحمله من فنون وحرف وذاكرة عريقة. ولم تخف برنارديث مارتينس، منظمة أسبوع “برازيليا تريندز”، حماسها للمشاركة المغربية قائلة: “لقد أسعدني ذلك كثيرا؛ من الرائع دائما أن تفتح منصتنا المجال أمام ثقافات مختلفة قادمة من أماكن بعيدة، والبرازيل بحاجة إلى التعرف إليها”، واصفة الحضور المغربي بأنه “آسر بكل بساطة”.
ويكتسب هذا الحضور بعدا إضافيا بعد إدراج “القفطان المغربي: فن وعادات ومهارات”، في دجنبر 2025، ضمن التراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونسكو، في اعتراف دولي بخبرات آلاف الحرفيين والخياطين الذين يواصلون صون هذه الصناعة الرفيعة ونقل أسرارها من جيل إلى آخر.
ومع إسدال الستار على الدورة السابعة من “برازيليا تريندز”، التي استكشفت الروابط بين الفن والهوية والاستدامة تحت شعار “تدفقات خفية”، يجد القفطان المغربي مكانه الطبيعي في هذا الحوار الثقافي العابر للحدود؛ إرث عريق ينبض بالتجدد، ويواصل سرد حكايته الخالدة دون أن يفقد شيئا من هويته الأصيلة.














