24 ساعة
تحت الاضواء الكاشفة
orientplus
أراء وكتاب
بانوراما
الجزائر: محاولة انتحار مأساوية أمام وزارة العدل تفضح فساد القضاء والواقع الحقوقي في البلاد
في مشهد مؤلم يعكس حالة اليأس التي بلغها بعض الجزائريين في ظل انغلاق الأفق السياسي والقضائي، أقدم شاب جزائري على سكب البنزين على جسده ومحاولة إضرام النار فيه أمام مقر وزارة العدل بالعاصمة الجزائر، صباح الأحد فاتح يونيو. الحادثة، التي وثقها مقطع فيديو تم تداوله على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، هزّت الرأي العام وأعادت إلى الواجهة واقع الحقوق والحريات المنتهكة في الجزائر، وفساد السلطة القضائية الخاضعة لقبضة النظام العسكري الحاكم.
وقف فوزي زقوط، شاب في الثلاثين من عمره ينحدر من مدينة فرندة بولاية تيارت، أمام بوابة وزارة يُفترض أن تنصف المظلومين، لم يكن يحمل سلاحا ولا هتافا، بل قنينة بنزين وصرخة صامتة تقطر ألما ويأسا.
سكب السائل الحارق على جسده المرتجف، وكأنما أراد أن يُحمّل النيران كل ما لم تستطع الكلمات أن تقوله: خيبة العدالة، قسوة السلطة، وجرح الكرامة الذي لا يندمل.
لم يكن فعله رغبة في الموت، بل محاولة أخيرة لأن يُرى، أن يُسمع، أن يشعر من في الأعلى بوخز الضمير، إن تبقّى لهم ضمير. في تلك اللحظة، احترق جسد فوزي، لكن ما احترق أكثر هو ما تبقى من ثقة شعب في عدالة مفقودة ونظام لا يرحم.
زقوط، الذي ظهر في الفيديو مرتديا قميصا أبيض وربطة عنق سوداء كما لو أنه متوجه إلى محفل رسمي، أوضح دوافعه قبل إقدامه على الفعل. صرح بأنه أراد لفت انتباه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى ما يعتبره «ظلما قضائيا»، بعد أن تلقى تهديدا بالسجن عشر سنوات من طرف قاضٍ بمحكمة فرندة، على خلفية نشاطه في جمع التبرعات لعلاج مرضى دون ترخيص رسمي من السلطات. وهي تهمة وُصفت من قبل نشطاء حقوقيين بأنها «ذريعة أمنية واهية لإسكات الأصوات الحرة».
ورغم تدخل عناصر الأمن بسرعة لمنعه من إحراق نفسه، وإخماد النيران التي أصابت الجزء العلوي من جسده، إلا أن الرسالة كانت قد وصلت، ودوّت في فضاء سياسي خانق بات فيه التعبير عن الرأي مرادفا للتجريم، والعمل المدني تهمة تستوجب المحاكمة، بل أحيانا السجن أو المنع من السفر.
خلفت محاولة فوزي زقوط حرق جسده أمام وزارة العدل صدمة عميقة وتذمرا واسعا في أوساط الجزائريين، الذين رأوا في هذا الفعل المأساوي انعكاسا صارخا للظلم المستشري وانسداد الأفق أمام المواطن البسيط الباحث عن الإنصاف.
وتفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع الحادثة بكمٍّ هائل من مشاعر الغضب والأسى، معتبرين أن ما أقدم عليه فوزي ليس فعلا فرديا يائسا، بل صرخة جماعية تعبّر عن اختناق شعب يُحاصر بالقمع والتهميش وانعدام الثقة في مؤسسات يُفترض أنها تسهر على تحقيق العدالة.
واشتهر زقوط كناشط جمعوي من مدينة فرندة بولاية تيارت الجزائرية، من خلال مبادراته الإنسانية والمجتمعية، حيث ساهم في تنظيم حملات لجمع التبرعات لمساعدة المرضى والمحتاجين، بالتعاون مع جمعيات محلية مثل «نور الأصيل الثقافية» و«فرقة بلا قيود».
ويُظهر نشاطه الجمعوي التزاما قويا تجاه خدمة المجتمع، مما جعله يحظى بتقدير واحترام في منطقته. ومع ذلك، واجه تحديات قانونية بسبب نشاطه، حيث تم اتهامه بجمع تبرعات دون ترخيص رسمي، مما أدى إلى مثوله أمام المحكمة.
وتحوّل فوزي عقب صرخته المؤلمة، في نظر الكثيرين، إلى رمز للألم الجزائري الصامت، الذي لا يجد من يسمعه إلا حين يشتعل.
حادثة زقوط ليست سوى فصلا جديدا من فصول مأساة القضاء الجزائري، الذي فقد استقلاليته منذ عقود، لكنه بات اليوم أداة مباشرة بيد السلطة العسكرية لتكميم أفواه النشطاء، وملاحقة المعارضين، وتبرير القمع باسم القانون. في حالات مشابهة، كان القضاة يواجهون ضغوطا من أجهزة الأمن، ويتعرض محامون لمضايقات، فيما يُستخدم القضاء كـ« مشرط قانوني » لتقطيع أوصال المجتمع المدني.
ورغم الترويج الرسمي لما يسمى « الإصلاحات القضائية »، لم تُفضِ تلك التصريحات إلا إلى المزيد من التبعية. حيث يتم تعيين وكلاء الجمهورية ورؤساء المحاكم بقرارات فوقية خاضعة لمصالح النظام وليس لاستقلالية القضاء.
وتُوظف الرقابة القضائية والإفراج المؤقت كسلاحين لابتزاز النشطاء، كما هو الحال مع فوزي زقوط، الذي وُضع تحت رقابة قضائية صارمة بينما تُرك من هددوه وتسببوا في انهياره النفسي دون مساءلة.
كعادتها، اكتفت وسائل الإعلام الجزائرية بنشر بيان رسمي مقتضب حول فتح النيابة العامة لتحقيق حول الواقعة، ليس لمعرفة أسباب إقدام هذا الشاب على حرق ذاته وإنما من ساعده في ذلك.
وهكذا ركزت وسائل الإعلام على مشاركة شخصين آخرين في الحادث، الأول قام بتصوير محاولة الانتحار، والآخر وفّر وسيلة النقل.
وبعيدا عن التحقيق، بدا واضحا أن السلطات سعت لتجريم فعل الاحتجاج بدل مساءلة المنظومة التي دفعت شابا إلى محاولة إنهاء حياته أمام مقر وزارة يفترض أنها معنية بالعدل.
وفي بلد تُغلق فيه القنوات الإعلامية المستقلة، وتُحجب المنصات الحرة، وتحاصر الصحافة المكتوبة بالقوانين والغرامات، لم يكن مستغربا أن تغيب التغطية الموضوعية للحادثة عن أغلب وسائل الإعلام الرسمية، بينما اكتفى بعضها بإعادة نشر بلاغ وكيل الجمهورية دون الإشارة إلى السياق الاجتماعي أو الحقوقي الذي أدى إلى الكارثة.
فوزي زقوط لم يكن يبحث عن الموت، بل عن الإنصاف. وقد اختار المكان والزمان بعناية: أمام وزارة العدل، في يوم محاكمته، مرتديًا ربطة عنق كمن يستعد لمقابلة مصيرية. رمزية الفعل لا تقل أهمية عن ألمه، فهي تكشف إلى أي حد بات اليأس هو القاسم المشترك بين فئات من المجتمع الجزائري، وسط انغلاق سياسي، وغياب عدالة، وانهيار الثقة في مؤسسات الدولة.
وتفتح هذه المأساة الباب مجددا لمساءلة النظام الحاكم: إلى متى سيستمر هذا الاستهتار بكرامة المواطن؟ إلى متى سيبقى القضاء مطية في يد العسكر؟ وأين هو موقع الإنسان في معادلة السلطة؟
اليوم، فوزي زقوط ما يزال على قيد الحياة، لكنه أشعل نارا سياسية وأخلاقية لن تُخمد بسهولة في بلد يفتك به الظلم البطيء باسم القانون.
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة وطنية | orientplus.net
تعليقات الزوّار
أترك تعليق
من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
صوت وصورة
امتنان خليجي لجلالة الملك على مواقفه الداعمة وتضامنه الواضح إزاء العدوان الإيراني
ماذا وراء إلغاء مطلبي الاعتذار والتعويض من مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي؟
الأكاديمية الملكية العسكرية بمكناس : المرأة المغربية تثبت جدارتها وكفاءتها في مجال التكوين العسكري
الطالبي العلمي يمثل جلالة الملك في مراسم تنصيب الرئيس الشيلي الجديد
حملات طبية لوكالة بيت مال القدس الشريف لدعم صمود المقدسيين
أخنوش: المغرب يعتبر إدماج الطاقة النووية المدنية في المزيج الطاقي امتدادا طبيعيا
كيف يغيّر ميناء الناظور موازين الطاقة بعد أزمة هرمز؟ |
الداخلة – وادي الذهب: مشاريع مهيكلة تعزّز مكانة الجهة كقطب اقتصادي صاعد
مبادرة تضامنية لفائدة أسر إثيوبية معوزة تحت إشراف مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة
الجزائر والحرب على إيران.. ضبابية الموقف؟!
تدشين مسجد محمد السادس بأنجامينا انعكاس لعمق الروابط الروحية بين المملكة ودولة تشاد


