24 ساعة
تحت الاضواء الكاشفة
أراء وكتاب
بانوراما
مع تصاعد الفوضى في مالي.. بروز الدور المتصاعد للجزائر في تغذية “الفوضى المنظمة” في جوارها لضمان بقاء نظامها في الداخل
تتصاعد الأحداث في مالي منذ السبت الماضي، بوقوع هجوم واسع النطاق ومنسق استهدف مدنا محورية، بما في ذلك العاصمة باماكو، وهو ما أسفر عن مقتل وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، في قاعدة “كاتي” العسكرية، وإصابة عدد من كبار الشخصيات الأمنية والسياسية في الدولة.
وما أثار قلق المراقبين الدوليين هو البروز المفاجئ لأسلحة ثقيلة ونوعية خلال هذا الهجوم، الذي عكس تحالفا ميدانيا غير مسبوق بين عناصر من متمردي الأزواد ومجموعات تابعة لتنظيم القاعدة في مالي.
هذا التطور الميداني الخطير والقدرات التسليحية المتطورة التي ظهرت في يد المهاجمين تشير بوضوح إلى وجود دعم إقليمي لوجستي عابر للحدود، وهو ما يضع الجزائر في قفص الاتهام كلاعب سيء في هذه الأحداث، بالنظر إلى خلافاتها العميقة مع المجلس العسكري في مالي وسجلها الطويل في إيواء ودعم الحركات الانفصالية في المنطقة لضمان إضعاف محيطها السيادي.
صعود غويتا وانهيار الوصاية الجزائرية على مالي
شكل صعود العقيد عاصيمي غويتا إلى السلطة في مالي نقطة التحول المركزية التي أربكت الحسابات الجزائرية، حيث تبنى المجلس العسكري الجديد خطابا سياديا يرفض الوصاية التقليدية التي كانت تمارسها الجزائر تحت غطاء الوساطة الدولية.
وبدأ الشرخ يتسع حين شعرت باماكو أن الجزائر تستخدم “اتفاق السلام” كأداة لإبقاء شمال مالي منطقة نفوذ رمادية، وهو ما دفع غويتا إلى إنهاء العمل بالاتفاق رسميا، متهما الجارة الشمالية بالقيام بأعمال عدائية والتدخل في الشؤون الداخلية.
هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الأشخاص، بل كان انقلابا على “عقيدة الاستعلاء” التي مارستها الدبلوماسية الجزائرية لسنوات، مما دفع الجزائر إلى اللجوء لأوراق الضغط التقليدية عبر تحريك الحركات الانفصالية في الشمال (الأزواد) لإشغال الجيش المالي في حرب استنزاف داخلية تمنعه من بسط سيادته الكاملة على الحدود المشتركة.
استهداف السيادة واللعب بورقة الانفصال والتمرد
تجلت مظاهر التوتر الميداني في حوادث عسكرية خطيرة، كان أبرزها إسقاط الجيش المالي لطائرات مسيرة كانت تنفذ مهاما استخباراتية في مناطق النزاع، وسط شكوك باماكو في أن هذه التقنيات تُستخدم لتزويد المتمردين بإحداثيات تحرك القوات النظامية.
ولم يتوقف الأمر عند الصدام العسكري الصامت، بل انتقل إلى أروقة القصر الرئاسي في الجزائر، حيث استقبل الرئيس عبد المجيد تبون زعماء بارزين من الحركات الأزوادية ومن بينهم المرجع الديني محمود ديكو، في خطوة اعتبرتها باماكو “اعترافا رسميا بكيانات موازية”.
هذا الاستقبال الرسمي في القصر المرادية أثبت بالنسبة للماليين أن الجزائر لا تدعم الحركات الانفصالية بالمال والسلاح فقط، بل توفر لها الغطاء السياسي والشرعية الدولية، وهو سلوك يتماهى تماما مع دعمها التاريخي لجبهة البوليساريو ضد المغرب، مما يعزز فرضية تبني الجزائر لسياسة “تفريخ الكيانات” لإضعاف الدول المركزية في جوارها.
الحرب الكلامية في الأمم المتحدة.. واتهامات إيواء الإرهابيين
شهدت منصة الأمم المتحدة ذروة الصدام الدبلوماسي حين وجه وزير الخارجية المالي اتهامات صريحة ومباشرة للجزائر بـ”إيواء الإرهابيين” وفتح أراضيها لمجموعات تهدد أمن مالي واستقرارها، لترد الخارجية الجزائرية بلغة حادة حملت في طياتها تهديدات مبطنة، محذرة باماكو من مغبة الخروج عن عباءتها الأمنية.
هذا الاتهام المالي لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى تقارير ميدانية تشير إلى أن قادة في “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” يتنقلون بحرية عبر الحدود الجزائرية، مما طرح تساؤلات جدية حول الدور الوظيفي الذي تلعبه الجزائر في إدارة ملفات الإرهاب لضمان بقاء المنطقة تحت حالة الطوارئ الدائمة، وهو وضع يخدم الأجندة الجزائرية في تصوير نفسها كـ”شرطي المنطقة” الوحيد القادر على لجم هذه الجماعات.
الصحراء المغربية والخطوط الحمراء في العقلية الجزائرية
جاء الاعتراف المالي المتزايد بـ”مغربية الصحراء” ليصب الزيت على النار في الداخل الجزائري، حيث اعتبر النظام العسكري الحاكم في قصر المرادية هذه الخطوة “خطا أحمر” تم تجاوزه، ومركز ثقل سياستها الخارجية والداخلية التي لا يمكن أن تسمح بحدوثه.
في الجانب الأخر رأت باماكو أن التقارب مع المغرب ودعم مبادرة الحكم الذاتي وتسهيل الوصول إلى المحيط الأطلسي، يعد مخرجا استراتيجيا من التبعية للجزائر. في المقابل، رأت الجزائر في هذا التحول “خيانة جيوسياسية”، وهو ما دفعها للرد بتصعيد دعمها للأزواد، في رسالة مفادها أن أي تقارب مع الرباط سيقابله إشعال للنيران في الشمال المالي.
هذا الربط بين ملف الصحراء والنزاع في مالي يكشف أن الجزائر تدير أزمات المنطقة ككتلة واحدة، حيث تستخدم الحركات الانفصالية في كلا البلدين كأدوات للضغط والابتزاز السياسي، محاولة تطويق المغرب من الجنوب ومالي من الشمال.
سياسة إضعاف الجوار من تونس إلى ليبيا
لا ينفصل الموقف الجزائري من مالي عن استراتيجيتها الكلية تجاه بقية الجيران، ففي ليبيا، واصلت الجزائر دعم أطراف معينة لضمان عدم قيام دولة ليبية قوية وموحدة قد تسحب البساط الاقتصادي أو الطاقي منها. أما في تونس، فقد تسبب الدعم الجزائري المطلق للرئيس قيس سعيد وتوقيع اتفاقية أمنية وعسكرية غامضة في إثارة موجة من الجدل والقلق، حيث اعتبرت المعارضة التونسية أن الجزائر ترهن القرار السيادي التونسي مقابل المساعدات المالية، مما أدى إلى إضعاف الدور الإقليمي لتونس وتحويلها إلى “حديقة خلفية” للمرادية.
هذا النهج يؤكد أن القوة الجزائرية لا تُبنى على التكامل مع الجوار، بل على تحويل دول المنطقة إلى كيانات ضعيفة أو تابعة، سواء عبر دعم الانفصال كما في مالي والمغرب، أو عبر الهيمنة السياسية والأمنية كما في الحالة التونسية.
آفاق الصراع وبناء حلف إفريقي جديد بدعم مغربي
أمام هذا التغول الجزائري، بدأت تتشكل ملامح حلف إفريقي جديد يسعى لتغيير واقع القارة عبر التنمية والأمن المشترك بدلا من النزاعات الانفصالية. ويبرز المغرب كداعم أساسي لهذا التوجه من خلال “المبادرة الأطلسية” التي تهدف لربط دول الساحل، ومنها مالي، بالمحيط الأطلسي، وهو ما يوفر لباماكو بديلا اقتصاديا حقيقيا يغنيها عن الضغوط الجزائرية.
ويبقى خيار مالي الوحيد هو نجاحها في تجاوز “الفخ الجزائري” الذي يعتمد على قدرتها في بناء تحالفات دولية وازنة وتطهير حدودها من الحركات المدعومة خارجيا، مع التركيز على أن استقرار البلاد هو استقرار لكامل منطقة الساحل، وهو أمر لا يبدو أنه يتوافق مع الرؤية الجزائرية الحالية التي ترى في “الفوضى المنظمة” في الجوار ضمانة لبقاء نظامها في الداخل.
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة وطنية | orientplus.net
تعليقات الزوّار
أترك تعليق
من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
صوت وصورة
“الجزائر الجديدة والمنتصرة” وقضايا “فساد الوزراء”
تزايد “الحرقة” من الجزائر بعد قرار إسبانيا بتسوية أوضاع المهاجرين السريين
الموقف البريطاني بشأن الصحراء المغربية يعزز متانة الشراكة بين الرباط ولندن
المغرب والنمسا يوقعان مذكرة تفاهم ترسي حوارا استراتيجيا
جديد عملية الإنتاج الحيواني ووفرة اللحوم الحمراء بالمغرب
حفل افتتاح المسرح الملكي بالرباط : عناية ملكية سامية بالإشعاع الثقافي لهوية المغرب الحضارية
الجزائر : سجن وزير الصناعة.. ارتفاع الأسعار.. وقمع الرأي المخالف!
الرئيس تبون وحاشيته.. سياسة ” إذلال” الوزراء مستمرة !
جماهير إتحاد العاصمة الجزائري تقتـ…حم الملعب وتعتـ…دي على لاعبي أولمبيك آسفي والمصورين الصحافيين
صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد يترأس افتتاح الدورة الـ 18 للملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب
الجزائر..ارتفاع فاحش في أسعار الخضر وسط احتفاء “محموم” بتصديرها للخارج!


