ففي الوقت الذي وصفت فيه المنظمة احتجاز غليز بأنه “غير عادل” واعتبرت أن ما تعرض له يمثل “إنكارا لحرية الإعلام”، تجنبت في المقابل توجيه أي إدانة سياسية مباشرة للسلطات الجزائرية، واختارت بدلا من ذلك التعويل على احتمال صدور عفو رئاسي من الرئيس عبد المجيد تبون، وهو ما اعتبره مراقبون تحولا لافتا في طريقة مقاربة المنظمة للقضية.
وأصدرت “مراسلون بلا حدود”، بلاغا بمناسبة مرور سنة كاملة على سجن الصحافي الفرنسي، دعت فيه إلى الإفراج “الفوري وغير المشروط” عنه مؤكدة أن مكانه الطبيعي “في الملاعب وبين زملائه الذين يغطون المنافسات الرياضية وليس داخل زنزانة”، وفق تعبير المدير العام للمنظمة تيبو بروتان.
غير أن البلاغ، رغم تشكيكه الصريح في الملف القضائي الذي أدين على أساسه غليز، خلا من أي تحميل مباشر للمسؤولية للدولة الجزائرية أو للحكومة أو للسلطة القضائية، كما لم يطالب بإلغاء الحكم القضائي أو الاعتراف بوجود خطأ ارتكبته مؤسسات الدولة، واكتفى بالمطالبة بالإفراج عنه، مع الترحيب بما وصفه بـ”التطورات القضائية الأخيرة” في الجزائر.
وتعود القضية إلى 28 ماي 2024، عندما اعتقلت السلطات الجزائرية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز أثناء إنجازه تحقيقا صحافيا حول نادي شبيبة القبائل، أحد أبرز الأندية الجزائرية.
وبعد أكثر من سنة من المتابعة القضائية ومنعه من مغادرة التراب الجزائري، أصدرت محكمة تيزي وزو، في 29 يونيو 2025، حكما يقضي بسجنه سبع سنوات نافذة بتهمتي “الإشادة بالإرهاب” و”حيازة منشورات لأغراض دعائية تمس بالمصلحة الوطنية”، قبل أن تؤيد محكمة الاستئناف الحكم في 3 دجنبر من السنة نفسها.
ويعمل غليز منذ سنوات متعاونا مع مجلتي So Foot وSociety الفرنسيتين، ويعد من أبرز الصحافيين المتخصصين في الصحافة الرياضية الاستقصائية، وقد كان بصدد إعداد مادة صحافية تتناول تاريخ نادي شبيبة القبائل وعلاقته بالمجتمع المحلي في منطقة القبائل.
وفي بيانها الأخير، قدمت “مراسلون بلا حدود” عرضا مفصلا للعناصر التي تعتبرها دليلا على هشاشة الملف القضائي.
وأوضحت أن جزءا أساسيا من الاتهامات يستند إلى مراسلات مهنية جمعته بأحد مسؤولي نادي شبيبة القبائل، الذي يشغل في الوقت نفسه موقعا داخل حركة تقرير مصير القبائل (MAK)، وهي الحركة التي صنفتها السلطات الجزائرية تنظيما إرهابيا سنة 2021.
لكن المنظمة تؤكد أن غالبية هذه المراسلات تعود إلى سنتي 2015 و2017، أي قبل ست سنوات على تصنيف الحركة تنظيما إرهابيا، بينما اقتصر التواصل الوحيد الذي جرى سنة 2024 على تنسيق صحافي مرتبط بإعداد مقال حول النادي.
واعتبرت المنظمة أن المحاكمة أظهرت “غيابا كاملا لأي مضمون حقيقي للتهم الموجهة إليه”، وهو توصيف ينسف، من حيث الجوهر، الأساس الذي استند إليه القضاء في إصدار الحكم.
ورغم هذا التوصيف الحاد للملف القضائي، لم تنتقل المنظمة إلى تحميل السلطات الجزائرية المسؤولية السياسية أو القانونية عن القضية.
فبيانها لم يتضمن أي مطالبة بإلغاء الحكم القضائي، ولم يدع إلى مراجعة المحاكمة، ولم يطالب الدولة الجزائرية بالاعتراف بوقوع انتهاك لحرية الصحافة أو بجبر الضرر الذي لحق بالصحافي الفرنسي، بل اقتصر على الدعوة إلى الإفراج الفوري عنه.
كما رحبت المنظمة بقرار المحكمة العليا الجزائرية الصادر في 25 ماي الماضي، والذي رفض طعن النيابة العامة الرامي إلى تشديد العقوبة.
وفي المقابل، أشارت إلى أن كريستوف غليز سحب بنفسه طعنه أمام المحكمة العليا، بهدف فتح المجال أمام إمكانية صدور عفو رئاسي.
وأبرز البلاغ أن والدي الصحافي، سيلفي وفرانسيس غودار، يأملان في أن تفضي هذه الخطوة إلى “حل حاسم”، داعيين الرئيس عبد المجيد تبون إلى التدخل العاجل لإصدار عفو رئاسي.
كما أشار إلى أن جدة الصحافي، التي تبلغ من العمر 102 سنة ونصف، لا تزال تنتظر رؤية حفيدها مجددا، وهو ما أضفى على البلاغ بعدا إنسانيا واضحا، في مقابل غياب أي خطاب تصعيدي تجاه السلطات الجزائرية.
ومنذ صدور الحكم، قادت “مراسلون بلا حدود” حملة دولية واسعة للمطالبة بالإفراج عن غليز، بدعم من اتحاد الصحافيين الرياضيين في فرنسا، والاتحاد الفرنسي لكرة القدم إلى جانب عشرات الشخصيات الرياضية والثقافية والإعلامية.
كما منح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) اعتمادا رسميا للصحافي لتغطية كأس العالم 2026، رغم وجوده في السجن، وخُصص له مقعد فارغ يحمل اسمه داخل منصة الصحافة في خطوة رمزية تؤكد أنه كان يفترض أن يغطي البطولة المقامة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وانضم إلى الحملة رئيس “فيفا” جياني إنفانتينو، الذي دعا عشية انطلاق البطولة إلى الإفراج عن الصحافي، كما عبر مدرب المنتخب الفرنسي ديدييه ديشان عن دعمه له خلال مؤتمر صحافي، بعد تلاوة سؤال كان غليز قد بعث به من داخل سجنه.
وشملت الحملة أيضا شخصيات معروفة، من بينها المدرب البوسني وحيد خليلودزيتش، والمدرب الفرنسي هيرفي رونار، ولاعب المنتخب البرازيلي السابق راي، والإعلامي هيرفي ماثو، والروائية والصحافية أمبر غوديون، والكاتب محمد مبوغار سار، والفنان ميدين، والممثلان فرانسوا سيفيل وجيل لولوش، إضافة إلى أندية في الدوري الفرنسي وعدد من الجماعات المحلية.
وأكدت المنظمة أن العريضة الدولية المطالبة بالإفراج عنه تجاوزت 36 ألف توقيع، رغم أن التسلسل الزمني الوارد في البلاغ يشير إلى تجاوزها 20 ألف توقيع فقط، دون تقديم توضيحات بشأن هذا التفاوت.
وأبرزت هذه القضية مفارقة لافتة في خطاب “مراسلون بلا حدود”، فالمنظمة نفسها تضع الجزائر في المرتبة 145 من أصل 180 دولة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة وتعتبر أن الصحافي تعرض لمحاكمة تفتقر إلى الأساس القانوني، وأن سجنه يشكل انتهاكا لحرية الإعلام لكنها امتنعت في المقابل عن توجيه أي إدانة مباشرة للدولة الجزائرية أو تحميلها مسؤولية ما وقع.
وبينما دافعت المنظمة بقوة عن حق كريستوف غليز في ممارسة عمله الصحافي، اختارت في الوقت ذاته أن تجعل أفق الحل مرتبطا بإرادة رئيس الجمهورية من خلال العفو الرئاسي، بدلا من المطالبة بإلغاء الحكم أو مساءلة المؤسسات التي أصدرت القرار.














