24 ساعة
تحت الاضواء الكاشفة
أراء وكتاب
بانوراما
تحذيرات صندوق النقد الدولي تعري هشاشة الاقتصاد الجزائري وتكشف مخاطر الاستنزاف المالي
انشغلت وسائل الإعلام الجزائرية بانتقاء ما يداعب رغبات أصحاب القرار في أحدث تقارير صندوق النقد الدولي. وحصرت القنوات والصحف اهتمامها في نسبة نمو متوقعة بلغت 3,4 في المائة لعام 2026، متناسية أنها تقل كثيرا عن المتوسط القاري وعن الأرقام المسجلة في المغرب ومصر البالغة 4,4 في المائة وفق المؤسسة المالية ذاتها. وأمام هذا التعتيم المتعمد، تتظاهر السلطات في الجزائر بتجاهل المؤشرات التحذيرية الصادمة بشأن مستقبل التوازنات الماكرو اقتصادية للبلاد.
ترسم معطيات صندوق النقد الدولي صورة مقلقة لمستقبل الاقتصاد الجزائري، محذرة من عجز مالي هائل، وانهيار وشيك في احتياطيات الصرف الأجنبي، وقفزة قياسية في الدين العام. ويتعاظم قلق خبراء الصندوق إزاء اللجوء المتكرر إلى «طبع النقود» لسد فجوة الميزانية، بالنظر إلى ارتداداته المباشرة على وتيرة التضخم وإضعاف القوة الشرائية.
وجاء هذا التشخيص القاطع ضمن تقرير الصندوق الصادر في 21 شتنبر، بعد سلسلة زيارات ومشاورات أجراها خبراء المؤسسة بموجب المادة الرابعة. ويوثق التقرير فشل السياسات الاقتصادية المتبعة في تحرير البلاد من ارتهانها التام والكامل لقطاع المحروقات.
وظل نبض الاقتصاد الجزائري مرهونا بحركة أسعار خام النفط في الأسواق الدولية، على الرغم من الخطابات الرسمية المتكررة التي يطلقها الرئيس عبد المجيد تبون حول مزاعم تنويع النسيج الاقتصادي الوطني.
اختلالات مالية متواصلة وعجز مزمن في الميزانية
يقدم تقرير المؤسسة الدولية للفترة الممتدة بين 2026 و2031 توقعات تضع التوازنات المالية على المحك. وبنى الصندوق حساباته على تقدير متوسط سعر برميل النفط الجزائري بنحو 92,6 دولارا خلال سنة 2026 مقابل 69,4 دولارا سنة 2025، قبل أن ينحدر إلى 82,4 دولارا سنة 2027 ويواصل الهبوط إلى 71,8 دولارا بحلول سنة 2031.
وتواجه الجزائر عجزا هيكليا متفاقما؛ فبينما تقر التجارب الدولية سقفا لا يتعدى 3 في المائة للعجز المالي، تتجاوز المؤشرات الجزائرية هذه العتبة بثلاثة أضعاف، مستقرة في خانة الأرقام المزدوجة.
وتكشف أرقام الصندوق أن العجز بلغ 10,5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025، ويُتوقع استقراره عند 9,6 في المائة سنة 2026، ليعاود الارتفاع إلى 10,2 في المائة سنة 2027. ورغم توقع انخفاضه التدريجي إلى 10 في المائة سنة 2028، ثم 9 في المائة سنة 2029، و8,7 في المائة في أفق 2031، إلا أنه سيظل عبئا ثقيلا ومزمنا على المالية العمومية.
ودخلت الجزائر منذ سنة 2014 في نمط مالي يعاني من اختلال بنيوي بين ضعف تعبئة الموارد العادية خارج النفط، والتي سجلت تراجعا بناقص 11 في المائة من الناتج الداخلي، وتضخم النفقات العامة بفعل كتلة الأجور، والدعم المعمم، والتحويلات الاجتماعية، والإنفاق العسكري المتعاظم.
وتعمل فترات انتعاش أسعار المحروقات على حجب هذه الهشاشة الهيكلية بصفة مؤقتة، دون إحداث أي تصحيح حقيقي للخلل القائم.
تضخم الإنفاق العسكري وشراء السلم الاجتماعي
تغذي هذا العجز البنيوي بنود إنفاق غير منتجة، تتقدمها التحويلات الاجتماعية من جهة، والإنفاق العسكري المكثف من جهة أخرى.
واستنزفت التحويلات الاجتماعية والدعم ما يقارب 46,3 مليار دولار سنة 2026، مستحوذة على 34,1 في المائة من الميزانية العامة البالغة 135,7 مليار دولار. وتتوزع هذه المبالغ بين دعم المواد الاستهلاكية الأساسية كالقمح والزيت والحليب، وصرف منحة البطالة لامتصاص غضب الشباب في ظل شح فرص العمل، إضافة إلى ضخ الأموال في صناديق التقاعد وبرامج السكن.
وتلجأ النخبة الحاكمة إلى هذه الاعتمادات الضخمة، المدارة بعيدا عن معايير الحكامة والشفافية، لضمان استقرار وهمي وشراء الهدوء الاجتماعي على حساب الأولويات التنموية للبلاد.
ويبرز قطاع الدفاع كأكبر مستنزف للمال العام برصد 25 مليار دولار برسم سنة 2026، أي ما يوازي خُمس الميزانية الإجمالية. وتضاعف هذا الغلاف المالي ثلاث مرات في غضون أربع سنوات بعدما توقف عند 9,1 مليار دولار سنة 2022، مسجلا أعلى رقم تسلح في تاريخ الجزائر والقارة الإفريقية.
وتتجاوز هذه النفقات مسألة صفقات الأسلحة لتكرس نفوذ المؤسسة العسكرية المستفيدة من هوامش العمولات المرتبطة بعقود التسلح مع المزود الروسي الرئيسي.
ويستحوذ شقا الدفاع والدعم الاجتماعي معا على أزيد من 54 في المائة من الميزانية العامة، تاركين للقطاعات الحيوية الأخرى هوامش محدودة تعرقل الاستثمار المنتج الخالق لفرص الشغل وللقيمة المضافة.
ويتزامن ذلك مع تدهور معيشة المواطنين وانسداد الآفاق أمام الشباب، الأمر الذي حول السواحل الجزائرية إلى منطلق رئيسي لقوارب الهجرة غير النظامية نحو الضفة الأوروبية.
وتفقد الخزينة العمومية ما يفوق 27 مليار دولار سنويا جراء التهرب الضريبي وشبكات الريع المقربة من دوائر القرار، مما يفضح غياب الحكامة الرشيدة في تدبير موارد الدولة.
تتفرع عن هذه الانزلاقات المالية مخاطر متراكمة تطوق الاقتصاد الجزائري عبر التوسع المفرط في الاقتراض البنكي، والسيولة غير المنضبطة، واستنزاف الرصيد الخارجي من العملة الصعبة.
واختارت السلطات تغطية العجز عبر التوسع في الاقتراض الداخلي؛ حيث ارتفع الدين العام من 52,1 في المائة من الناتج الداخلي سنة 2025 إلى 53,2 في المائة سنة 2026، مع توقع بلوغه 60,4 في المائة سنة 2027، ووصوله إلى 79 في المائة بحلول سنة 2031، بعدما كان شبه منعدم في بداية الألفية.
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة وطنية | orientplus.net
تعليقات الزوّار
أترك تعليق
من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
صوت وصورة
بوريطة : بقيادة جلالة الملك ستواصل المملكة العمل من أجل التوصل إلى حل يصون حقوق الشعب الفلسطيني
الجزائر…استرجاع الأموال المنهوبة و مُغالطات الرئيس وحكومته !
النتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية لسنة 2026، وفق ما أعلن عنه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت
إقبال ملحوظ للناخبين على مكاتب التصويت بجهة العيون الساقية الحمراء
الجزائر … إقتصاد يتهاوى وسلطة تهرب إلى الأمام ؟!
من وجدة.. استعدادات وترقب قبل انطلاق اقتراع 23 شتنبر
وزير التجهيز الموريتاني: اتفاقية تهيئة الطريق الحدودي مع المغرب تاريخية
الجزائر …من جيجل الجريحة والمتستر على ضحايا حرائقها إلى دخول مدرسي مثقل بالأسئلة!
الجزائر …أزمة مطافئ وفيضانات بعد نحو شهر من التستر على ضحايا فاجعة الحرائق
الجزائر.. تصاعد وتيرة الاعتقالات والمتابعات في حق أصحاب الرأي
بوريطة يتباحث بنيويورك مع الأمين العام للأمم المتحدة


