من الأمن المائي إلى الشباب.. جلالة الملك يحدد خمس أولويات أمام الحكومة
وضع جلالة الملك محمد السادس، في الخطاب السامي الذي وجهه إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة، خريطة طريق واضحة للمرحلة المقبلة، تقوم على تسريع الإصلاحات، وإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، وتحويل السياسات العمومية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين.
وبين الأمن المائي والغذائي، وتأهيل الشباب وإدماجهم الاقتصادي، وتفعيل الجهوية المتقدمة، وتسريع الإقلاع الصناعي والرقمي، حدد الخطاب الملكي مجموعة من الأوراش التي تضع الحكومة والقطاعات الوزارية أمام اختبار التنفيذ، في سياق يراهن فيه المغرب على تعزيز موقعه كقوة اقتصادية صاعدة، مع تحقيق توازن بين النمو والعدالة الاجتماعية والمجالية.
وتبرز من التوجيهات الملكية خمس أولويات أساسية يتعين أن تتحول إلى برامج عملية، بأهداف واضحة وآجال محددة ومؤشرات دقيقة لقياس النتائج.
- الأمن المائي.. من تدبير الندرة إلى ضمان الاستدامة
جدد جلالة الملك التأكيد على ضرورة إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، وفي مقدمتها الأمن المائي، في ظل التحولات المناخية والاقتصادية التي تجعل تأمين الموارد المائية أحد أبرز التحديات الاستراتيجية للمغرب.
ولا يتعلق الرهان بمجرد تدبير فترات الجفاف أو مواجهة الخصاص الظرفي في مياه الشرب، بل ببناء منظومة مستدامة تضمن توفر المياه للأسر والأنشطة الاقتصادية والفلاحة، وتحد من الهشاشة أمام تقلبات المناخ.
ويضع هذا التوجه قطاعات الماء والتجهيز والفلاحة، إلى جانب الجماعات الترابية والمؤسسات المعنية، أمام ضرورة تسريع المشاريع المبرمجة، وتعزيز التكامل بين تعبئة الموارد المائية وترشيد الاستهلاك وحماية الفرشات المائية.
كما يقتضي الانتقال إلى تدبير استباقي للمخاطر، يربط التخطيط المائي بالحاجيات الفعلية لكل منطقة، ويضمن عدالة توزيع الموارد، حتى لا تتحول الندرة إلى عامل إضافي لتوسيع الفوارق المجالية.
- الأمن الغذائي.. حماية الإنتاج الوطني وتأمين المواد الأساسية
وضع جلالة الملك الأمن الغذائي ضمن الأولويات الاستراتيجية، في إشارة إلى أهمية ضمان استمرارية التموين بالمواد الأساسية وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الاضطرابات التي قد تعرفها الأسواق الدولية.
وكان جلالته قد دعا إلى التعجيل بتطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية، وهو ما يمنح هذا الورش بعدا يتجاوز الإنتاج الفلاحي ليشمل أمن الإمدادات وقدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص الصدمات الخارجية.
ويفرض هذا التوجه تنسيقا أكبر بين القطاعات المكلفة بالفلاحة والصناعة والتجارة والمالية، من أجل تقوية الإنتاج الوطني، وتحسين سلاسل التوزيع والتخزين، وتعزيز الاحتياطات الاستراتيجية، بما يحد من تأثير تقلبات الأسعار والإمدادات الخارجية.
والتحدي المطروح أمام الحكومة هو بناء منظومة أكثر مرونة، توازن بين حماية القدرة الشرائية للمواطنين، ودعم الإنتاج الوطني، وضمان استمرارية التموين، مع تقليص مظاهر الهشاشة التي تكشفها الأزمات الدولية.
- الشباب وجيل Z.. الاختبار الحقيقي هو فرص الشغل والإدماج
أعاد الخطاب السامي لجلالة الملك قضايا الشباب إلى صدارة السياسات العمومية، داعيا إلى وضع تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.
وتكتسي هذه الدعوة أهمية خاصة في ظل التحولات التي تعرفها تطلعات الأجيال الجديدة، بما فيها جيل Z، الذي أصبحت انتظاراته مرتبطة بجودة الخدمات العمومية، والإنصاف في الولوج إلى الفرص، وإمكانية تحقيق الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي.
ولا يكفي، في هذا السياق، التعامل مع الشباب باعتبارهم فئة مستهدفة ببرامج ظرفية، بل يتعين إدماجهم في صلب السياسات الاقتصادية والتعليمية، من خلال تكوين يستجيب لحاجيات سوق الشغل، وتحسين جودة التعليم، وتوسيع فرص التشغيل، وتيسير الولوج إلى المبادرة الاقتصادية.
وقد ربط جلالة الملك بين هذه الإجراءات وتعزيز ثقة الشباب في قدرتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص التي يوفرها لهم لبناء مستقبل أفضل في ظل الحرية والكرامة والاستقرار.
وبذلك، يصبح خلق فرص الشغل المستدامة، وتقليص الفجوة بين التكوين ومتطلبات الاقتصاد، وتوسيع آفاق الإدماج المهني، من أبرز المعايير التي يمكن من خلالها قياس مدى ترجمة التوجيهات الملكية إلى نتائج ملموسة.
- الجهوية المتقدمة.. إنهاء بطء الإدارة ونقل القرار إلى الجهات
خصص جلالة الملك حيزا مهما من خطابه السامي لمسألة التنمية الترابية، مؤكدا أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يتمثل في العمل الميداني، والوقوف على المشاكل الفعلية لكل منطقة، وإيجاد حلول واقعية لها.
وشدد جلالته على أن النهوض بالتنمية المندمجة وتحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج يرتبط ارتباطا وثيقا بمسار الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري.
وفي هذا السياق، لم يكتف الخطاب الملكي بالدعوة العامة إلى تسريع الإصلاح، بل أكد جلالة الملك أنه لم يعد من المقبول استمرار التأخير أو التماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بما يتطلبه من نقل للصلاحيات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الأقاليم والجهات.
وتضع هذه التوجيهات القطاعات الوزارية أمام ضرورة مراجعة طرق اشتغالها، بما يسمح للمصالح الخارجية والإدارات الترابية باتخاذ القرارات التي تدخل ضمن اختصاصاتها، دون إبقاء الملفات رهينة مساطر مركزية طويلة.
كما دعا جلالة الملك إلى وضع حد للعراقيل التي تعيق عمل مؤسسات الجهة، وتوضيح الاختصاصات، وتعزيز الموارد البشرية والمادية، وتنظيم العلاقات بين الدولة والجهات من خلال آليات للتنسيق والتعاقد.
والهدف هو الانتقال من جهوية تتحمل فيها المؤسسات الترابية مسؤولية الاستجابة لانتظارات المواطنين دون امتلاك جميع أدوات التدخل، إلى جهوية تتيح اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع وفق الحاجيات الفعلية لكل منطقة.
- الإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي.. الاستثمار في المستقبل وخلق الشغل
حدد جلالة الملك الإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن المجالات التي تستدعي إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، بالتوازي مع تسريع المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية.
ويعكس هذا التوجه الرهان على الانتقال بالاقتصاد الوطني إلى مستويات أعلى من الإنتاجية والتنافسية، عبر تطوير القدرات الصناعية، وتوسيع استخدام التكنولوجيا، وتعزيز حضور المقاولات المغربية في الأسواق الدولية.
وفي هذا الإطار، دعا جلالة الملك القطاع الخاص الوطني إلى الارتقاء إلى فاعل استراتيجي في التحول التنموي، وأن يكون أكثر مبادرة وابتكارا، وأكثر قدرة على خلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير.
وتتطلب ترجمة هذا التوجه إلى نتائج ملموسة تعزيز التنسيق بين القطاعات المكلفة بالصناعة والاستثمار والتجارة والانتقال الرقمي والتعليم والتكوين، حتى لا تبقى الاستراتيجيات التكنولوجية والصناعية منفصلة عن حاجيات سوق الشغل ومتطلبات الاقتصاد.
كما يقتضي الأمر توجيه الاستثمارات نحو أنشطة قادرة على رفع القيمة المضافة، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتوسيع فرص تشغيل الشباب، وتعزيز قدرة المقاولات المغربية على الابتكار والمنافسة.
وبهذا المعنى، لا يقتصر الإقلاع الصناعي والرقمي على استقطاب الاستثمارات أو الإعلان عن مشاريع جديدة، بل يشمل بناء منظومة إنتاجية تخلق الثروة وفرص الشغل، وتمنح الاقتصاد الوطني قدرة أكبر على مواجهة التحولات الدولية.
امتحان الحكومة هو التنفيذ
تكشف الأولويات الخمس التي تضمنها الخطاب السامي لجلالة الملك عن ترابط واضح بين الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وبين فعالية الإدارة وقدرة القطاعات الحكومية على تنفيذ التزاماتها.
فالأمن المائي والغذائي لا ينفصلان عن التخطيط الاستراتيجي وتأمين الإمدادات، وإدماج الشباب لا يتحقق دون تعليم جيد وفرص شغل، فيما تظل الجهوية المتقدمة محدودة الأثر ما لم تقترن بنقل فعلي للصلاحيات والموارد. أما الإقلاع الصناعي والرقمي، فيحتاج إلى استثمارات منتجة قادرة على خلق الثروة وتحسين التنافسية.
ومن هنا، فإن التحدي المطروح أمام الحكومة والوزارات لا يتعلق فقط بإعداد البرامج أو إطلاق الاستراتيجيات، بل بقدرتها على تحديد أهداف قابلة للقياس، واحترام الآجال، وتحسين التنسيق بين القطاعات، وربط المسؤولية بالنتائج.
فالخطاب الملكي يضع التنمية في إطار عملي واضح: سياسات عمومية تستجيب لحاجيات المواطنين، وإدارة قادرة على اتخاذ القرار، واستثمارات تخلق فرص الشغل، ومشاريع تنعكس آثارها على الحياة اليومية للمغاربة.
إن نجاح المرحلة المقبلة سيقاس بمدى قدرة الحكومة على تحويل التوجيهات الملكية إلى منجزات ملموسة، تعزز الثقة في المؤسسات، وتوسع فرص الارتقاء الاجتماعي، وتدفع المغرب إلى الأمام في مسار التنمية الاقتصادية والعدالة المجالية.
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة وطنية | orientplus.net
تعليقات الزوّار
أترك تعليق
من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
صوت وصورة
الأسئلة الممنوعة في حوار تبون مع الصحافة !
سويسرا.. الجالية المغربية تترقب قرار «الطاس» بشأن نهائي كأس أمم إفريقيا
معرض مراكش للطيران .. توقيع اتفاقيات بين المغرب وفاعلين دوليين
الدبلوماسية في حوار تبون مع الصحافة.. معارك “طواحين الهواء”!
عمالقة الطيران العالمي يجتمعون في مراكش.. أجواء الدورة الثامنة للمعرض الدولي
أزيد من 200 عارض يمثلون 27 دولة في معرض مراكش الدولي للطيران
400 مليار دولار والواقع.. أرقام تبون في مهب أرقام صندوق النقد الدولي!
الداخلة تفتح نافذة جديدة أمام المقاولين وتستقطب خبرات أمريكية في مجال الابتكار وريادة الأعمال
الرئيس تبون حاور نفسه.. هل أقنعكم ” المونولوغ ” ؟!
129 انتهاكا في 10 أشهر .. تقرير غوتيريش يتهم “البوليساريو” بالضلوع في أعمال عدائية
الجزائر بين وعود تبون و واقع الأسعار …هل تعيش السلطة في كوكب أخر


