24 ساعة
تحت الاضواء الكاشفة
أراء وكتاب
بانوراما
الجزائر تستنجد بجون بولتون الذي وصفه ترامب بـ”الأحمق والغبيّ” وتواصل إنفاق أموال الشعب على الماضي وتدوير الوهم
الجزائر الغارقة في أزمات ومعزولة دوليا وفي وقت أعادت فيه الولايات المتحدة تأكيد اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، ومع اقتراب تصنيف جبهة البوليساريو كتنظيم إرهابي، وازدياد عدد الدول الداعمة لخيار الحكم الذاتي بشكل متسارع، جاء ردّ النظام الجزائري عبر خطوة مفاجئة تمثلت في إعادة تفعيل دور مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، جون بولتون، الذي وصفه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بأنه «أحد أكثر الأشخاص غباء في واشنطن». خطوة تُظهر حجم التدهور والارتباك الذي يعيشه النظام الجزائري في إدارة هذا الملف المصيري حيث تواصل إنفاق على الماضي وتدوير الوهم
جون بولتون مدفوع الأجر معروف أيضا بأنه الصوت الأبرز لجبهة البوليساريو في الولايات المتحدة. وهو المهندس الرئيسي لخطة « جيمس بيكر الثانية » سنة 2003، والتي حملت اسم المبعوث الأممي السابق إلى الصحراء، وكان بولتون أحد أعضاء فريقه. تلك الخطة دافعت عن استفتاء تقرير المصير غير القابل للتطبيق، ودعت إلى توسيع صلاحيات بعثة « المينورسو » لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، وهما خياران تم التخلي عنهما تماما.
وبعيدا عن هذه التفاصيل، فإن بولتون يُعد أحد أبرز رموز التيار المحافظ المتشدد في الولايات المتحدة، ومن مهندسي غزو العراق سنة 2003، لكن يبدو أن الجزائر تتغاضى عن هذا السجل الدموي.
فكرة « بعث » بولتون من جديد جاءت على ما يبدو من سفير الجزائر في واشنطن، صبري بوقادوم، وبتنسيق مع شركة الضغط « BGR Group » التي تمثل مصالح الجزائر في الولايات المتحدة، مقابل أتعاب سنوية قدرها 720 ألف دولار. لكن السؤال المطروح: ما الذي يمكن أن يقدّمه بولتون اليوم؟ الجواب: لا شيء سوى إعادة طرح أفكار قديمة وعقيمة.
فقد نشر بولتون مؤخراً تدوينة في صحيفة «واشنطن تايمز» عاد فيها للدفاع عن البوليساريو وطرح فكرة « العودة إلى الاستفتاء »، معتبرا أن «الحلّ الأوضح لقضية السيادة هو سؤال الصحراويين عما يريدون». كما اتهم المغرب بأنه كان أول من عرقل تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، مدعيا أن « الطموحات الإقليمية للمغرب لا تقتصر على الصحراء الغربية، بل تشمل أجزاء واسعة من شمال موريتانيا وغرب الجزائر».
«أثناء الحرب الباردة وبعدها، كانت علاقات الجزائر مع الغرب أقل متانة بكثير من علاقات المغرب، وهو ما أضرّ بالصحراويين. لكن هذا الوضع في طريقه إلى التغير. هناك مؤشرات حديثة تدل على أن الجزائر تبحث عن تحالفات استراتيجية جديدة، وتوقيع أول اتفاق تعاون عسكري بين الولايات المتحدة والجزائر، في بداية الولاية الثانية لترامب، خير دليل على ذلك»، يكتب بولتون.
وهو ما يعكس، بحسب التدوينة، إحاطة إعلامية دُبّرت من طرف صبري بوقادوم نفسه، الذي وعد إدارة ترامب بالقمر والنجوم لتجنّب الأسوأ.
صبري بوقادوم، الدبلوماسي الجزائري، الزخم حول مذكرة التفاهم العسكرية التي تم توقيعها في 22 يناير الماضي بين الولايات المتحدة والجزائر، ليقوم في 7 مارس الماضي باستعراض دبلوماسي ساحر لإظهار استعداد الجزائر لإحداث « التحول الكبير للقرن »: الانتقال الجذري والمباشر من اعتماد شبه كلي على التسليح الروسي إلى تبنٍّ شامل للأسلحة الأمريكية.
كان بوقادوم، الذي شغل سابقا منصب وزير الشؤون الخارجية ورئيس الحكومة بالنيابة، قد تبنّى العبارة الأمريكية الشهيرة: «السماء هي الحد» خلال مقابلة تم ترتيبها مع الوسيلة الإعلامية الأمريكية DefenseScoop.
تهدف هذه المناورة إلى عدة أمور، أبرزها كسب ود الإدارة الأمريكية الجديدة، التي لا تبدي أي تعاطف مع النظام في الجزائر. العدو اللدود للنظام الجزائري في واشنطن هو السيناتور الأمريكي ماركو روبيو، وزير الخارجية الحالي، الذي كان قد دعا سنة 2022 إلى فرض عقوبات على الطغمة الحاكمة في الجزائر، بسبب شرائها المكثف للأسلحة الروسية تزامنًا مع غزو روسيا لأوكرانيا.
الحيلة كانت جاهزة: شراء الأسلحة من الولايات المتحدة هو السبيل بالنسبة للنظام لتفادي العقوبات. أما من يتولى مهمة «خدمة ما بعد البيع» لهذا التوجه، فهو جون بولتون.
لا يحتاج جون بولتون إلى تعريف طويل. فهو أحد أبرز رموز السياسة الأمريكية العدوانية التي أنتجت الدمار وسفك الدماء في أكثر من منطقة من العالم، من العراق إلى ليبيا، ومن فنزويلا إلى كوريا الشمالية.
لكن الوجه الأقل انكشافًا لهذا “الصقر المتطرف” يتمثل في دعمه الأعمى لأنظمة قمعية وعلى رأسها النظام العسكري الجزائري، الذي لم يتردد بولتون في الاصطفاف إلى جانبه ضد الحق المغربي المشروع في صحرائه، ضاربًا عرض الحائط بالشرعية الدولية ومبادئ السيادة.
خلال مقابلة إعلامية في يناير 2025، لم يتوانَ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن وصف مستشاره السابق للأمن القومي بـ”الغبي جدًا”، مضيفًا: “كان مفيدًا فقط لأن الناس اعتقدوا أنه قد يشن حربًا عليهم”. ورغم أن التصريح حمل في ظاهره طابعًا شخصيًا انتقاميًا، إلا أنه عرى كثيرًا من حقيقة بولتون التي لطالما تجاهلتها وسائل الإعلام: رجل لا يبحث عن حلول بل يزرع ألغام الأزمات، ويعتاش على التوترات والصراعات، حيثما كانت.
والمثير في تصريحات ترامب أيضًا تحميله بولتون مسؤولية دفع إدارة جورج بوش نحو غزو العراق، قائلًا: “لقد فجرنا الشرق الأوسط وخرجنا”. وقد لا يكون ترامب نموذجًا للرصانة السياسية، لكن كلماته هذه تعكس واقعًا مريرًا عاشته شعوب المنطقة، دفعت ثمنه دمًا وخرابًا بسبب نزعة بولتون ومن هم على شاكلته لتصدير النار بدل الدبلوماسية.
فالرجل لم يكن يومًا صانع سلام، بل منظّرًا للفوضى، يبتسم حين تتساقط الصواريخ وتنهار الدول.
لكن الدور الأخطر لبولتون، الذي قلما يُسلط عليه الضوء، هو تحالفه المريب مع المؤسسة العسكرية الحاكمة في الجزائر. فمن خلال موقعه السابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي ومنابر الضغط السياسي في واشنطن، سعى بولتون إلى عرقلة كل المبادرات الأممية الهادفة إلى تسوية ملف الصحراء المغربية بشكل عادل ومتوازن.
انحاز بشكل فاضح إلى الطرح الانفصالي الذي ترعاه الجزائر، وأصرّ على تكريس واقع مفتعل يُخالف منطق الجغرافيا والتاريخ، وكأن مواقفه كانت تُصاغ من قلب الثكنات العسكرية الجزائرية لا من مكتب مستشار في البيت الأبيض.
العديد من التقارير الصادرة عن مراكز أبحاث أمريكية وأوروبية أكدت وجود علاقات ضغط وتأثير مارستها الجزائر عبر وكلاء داخل واشنطن، وكان بولتون أحد أبرز الأصوات المتماهية مع هذا التوجه العدائي للمغرب.
لم يكن الأمر مجرد “رأي سياسي”، بل تورطًا مباشرًا في إدامة نزاع مفتعل، واستثمارًا سياسويًا في أوجاع منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية واقتصادية.
لقد شكل بولتون رافعة استراتيجية لجنرالات الجزائر في قلب العاصمة الأمريكية، بل ويمكن اعتباره “السفير غير المعلن” للقوى المناهضة لوحدة المغرب الترابية.
أما قرار ترامب برفع الحماية الأمنية عن بولتون رغم استمرار التهديدات الإيرانية ضده، فكان كاشفًا لمقدار الانهيار الذي بلغه نفوذ الرجل في الدوائر العليا. فأن يُحرم مستشار أمن قومي سابق من الحماية في ظل تهديدات إرهابية فعلية، فهو أمر لا يحدث إلا حين يسقط القناع عن رموز كانوا يُقدمون كحماة لأمريكا، بينما هم في الحقيقة عبء على أمنها ومصداقيتها الدولية.
جون بولتون ليس مجرد شخصية مثيرة للجدل في سجل السياسة الأمريكية، بل هو نموذج حي لتحالفات المصالح المظلمة التي تجمع بين دعاة الحرب في واشنطن وأنظمة الاستبداد في الخارج. رجل مارس السياسة كسيف لا كفنّ، وتعامل مع الملفات الدولية بمنطق الخراب لا الحلول. وإذا كان التاريخ لا ينسى مَن كتب صفحاته بالدم والنار، فإن اسم بولتون سيظل مرتبطًا بسنوات الفوضى، والعداء للمغرب، والتواطؤ مع جنرالات الفشل في الجزائر.
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة وطنية | orientplus.net
تعليقات الزوّار
أترك تعليق
من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
صوت وصورة
جدل حول عودة الحديث عن “محاربة الإرهاب” في الجزائر
بوعلام صنصال: أعتزم فتح معركة قضائية دولية ضد الجزائر
بعد قرار الكاف .. الجامعة تؤكد ارتياحها لمخرجات الحكم
وكالة بيت مال القدس الشريف تنظم فعالية ترفيهية للأطفال الأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة
أمريكا تلجأ للمغرب لتأمين الأسمدة وسط حرب إيران
الجزائر.. الوضع الحقوقي كارثي وغلق مقر جمعية “أس أو أس مفقودين”
الطفل زيد البقالي الذي يبلغ 10 سنوات يتسلم من يدي أمير المؤمنين جائزة الطفل الحافظ
أمير المؤمنين يؤدي صلاتي العشاء والتراويح في ليلة القدر المباركة
امتنان خليجي لجلالة الملك على مواقفه الداعمة وتضامنه الواضح إزاء العدوان الإيراني
ماذا وراء إلغاء مطلبي الاعتذار والتعويض من مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي؟
الأكاديمية الملكية العسكرية بمكناس : المرأة المغربية تثبت جدارتها وكفاءتها في مجال التكوين العسكري


