وجاء الاستماع إلى عبود في باريس، أمام قاضي تحقيق تابع للقطب القضائي المختص بمكافحة الإرهاب، حيث جرى الاستماع إليه بشأن ملابسات المحاولة التي استهدفته، قبل أن يجدد اتهامه للسلطات الجزائرية بالوقوف وراء التخطيط لها، معتبرا أن خصومته السياسية مع النظام الجزائري هي الدافع الأساسي وراء استهدافه.
وفي تصريحات أدلى بها لوكالة الأنباء الفرنسية عقب انتهاء جلسة الاستماع، قال عبود إنه لا يملك عدوا سوى النظام الجزائري والجهات التي تعمل لحسابه، متحديا من يستطيع تقديم فرضية أخرى لتفسير استهدافه. وأضاف أن الأشخاص المتابعين في الملف أنفسهم يقرون، بحسب روايته، بأنهم لا يعرفونه ولا يدركون الأسباب التي دفعتهم إلى تنفيذ العملية، وهو ما اعتبره مؤشرا على وجود جهات أخرى تقف وراء تحريكهم وتوجيههم.
ويكتسي هذا الاستماع أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الملف، الذي لا يقتصر على محاولة اعتداء جسدي على معارض سياسي فوق التراب الفرنسي، بل يمتد إلى شبهات تتعلق بالتخطيط لعملية قتل في إطار منظم، مع وجود مؤشرات تتعلق باحتمال ارتباطها بمشروع إرهابي، وهو ما يفسر تولي قاضي تحقيق مختص في قضايا الإرهاب متابعة التحقيقات.
ويأتي ذلك في سياق تحقيق قضائي فتحته النيابة الوطنية الفرنسية لمكافحة الإرهاب في مارس 2026، بعدما كشفت تحريات أمنية عن وجود مخطط لاستهداف عبود، انتهى إلى متابعة أربعة أشخاص يشتبه في تورطهم في العملية، جرى توقيفهم ووضعهم رهن الاعتقال الاحتياطي في ماي الماضي، في إطار اتهامات تتعلق بمحاولة القتل ضمن عصابة منظمة على صلة بمشروع إرهابي، وبالمشاركة في هذه الجريمة بالنسبة إلى أحد المشتبه فيهم.
وتعود خيوط القضية إلى تحقيقات كانت تجريها الأجهزة الفرنسية بشأن عملية سطو استهدفت متحفا بالقرب من مدينة ليون في نونبر 2024، حيث قادت عملية فحص محادثات عبر تطبيق “سيغنال” المشفر إلى اكتشاف ما وصفته مصادر قريبة من التحقيق بوجود عقد لاستهداف المعارض الجزائري، قبل أن يتم تحديد مجموعة من الأشخاص يشتبه في تكليفهم بتنفيذ العملية، من بينهم شخص كان من المفترض أن يتولى إطلاق النار مقابل مبلغ مالي قدره 10 آلاف يورو.
وحسب المعطيات التي أوردتها الصحافة الفرنسية استنادا إلى مصادر قريبة من الملف، فقد انتقلت المجموعة المشتبه فيها إلى مدينة روبيه خلال فبراير 2025، وهي تحمل تعليمات بتنفيذ عملية قتل وعنوانا محددا للوصول إلى المستهدف.
بيد أن المخطط لم ينفذ بسبب عدم وجود عبود في منزله لحظة وصول الأشخاص المكلفين بالعملية، إذ تشير تفاصيل التحقيق التي نشرتها “لوموند” إلى أن المشتبه فيهم وصلوا خلال الساعات الأولى من صباح أحد أيام فبراير، وحاولوا استدراجه إلى خارج المنزل عبر طرق الباب والصراخ منتحلين صفة عناصر الشرطة، قبل أن يغادروا المكان دون تحقيق هدفهم.
وكانت التحقيقات قد أسفرت عن وضع أربعة شبان تتراوح أعمارهم بين 19 و22 عاما رهن الاعتقال الاحتياطي، بعدما وجهت إلى ثلاثة منهم تهمة محاولة القتل في إطار عصابة منظمة مرتبطة بمشروع إرهابي، فيما يتابع الرابع بتهمة التواطؤ في محاولة القتل والمشاركة في تكوين عصابة إجرامية ذات طابع إرهابي.
وسبق لهشام عبود، أن اشتغل ضابطا في أجهزة الاستخبارات الجزائرية، قبل أن يتحول إلى صحافي ومعارض منتقد للسلطة، ويقيم في فرنسا منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث عاد لفترة وجيزة إلى الجزائر سنة 2011، حين أطلق صحيفتين، قبل أن تتوقفا عن الصدور سنة 2013، ليعود مجددا إلى فرنسا في ظل خلافاته مع السلطات الجزائرية ومخاوفه من المتابعات القضائية.
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة كذلك المخاوف المرتبطة بسلامة المعارضين الجزائريين المقيمين في الخارج، في ظل تكرار الملفات القضائية التي تتعلق بشبهات الاختطاف والاستهداف الجسدي على الأراضي الأوروبية.
وكانت صحيفة “لوموند” قد أشارت، في تحقيق نشرته في 25 ماي الماضي، إلى أن عبود تحدث عن شعوره بعدم الأمان في محيط منزله بمدينة روبيه، وعن ملاحظته وجود سيارات يشتبه في استخدامها لمراقبة تحركاته، مضيفة أنه كان يتردد على المغرب بحثا عن الشعور بالأمان.
وتتقاطع هذه التطورات مع ملف آخر سبق أن أثاره عبود أمام القضاء الفرنسي، يتعلق بمحاولة اختطافه في مدينة لييج البلجيكية سنة 2021، والذي أعيد فتحه بعد شكوى تقدم بها في نونبر 2025، مع تعيين قاضي تحقيق لمتابعة القضية، الأمر الذي يجعل الاستماع إليه في الملف الجديد محطة إضافية في مسار قضائي يتجاوز واقعة روبيه، ويطرح تساؤلات أوسع بشأن ظروف استهدافه والجهات المحتملة التي تقف وراء ذلك، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الفرنسية.















أترك تعليق