وحذروا من أن «هذا الاحتقان الذي له ما يبرره، نتيجة تعاطي السلطة المركزية مع المنطقة، قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه إذا لم يُتدارك الوضع في أقرب الآجال».وفي بيان آخر، حمل التسمية ذاتها، تساءل سكان الجلفة عن سبب «تفريط الجهات الرسمية في أداء واجبها تجاه أحد رموزها وصناع تاريخها، إذا لم ترقَ المراسم التي أقيمت لهذا المصاب الجلل، إلى مستوى مكانة ومناصب الفقيد أحمد بن شريف».
وقالوا أيضاً: «إننا لم نرَ مثل هذا الإجحاف مع بعض الشخصيات التاريخية المعارضة، التي وصلت حتى لحمل السلاح في وجه الدولة الفتيَّة غداة الاستقلال»، والمقصود هنا البطل التاريخي حسين آيت أحمد، أحد أبرز قادة الثورة التحريرية والذي عارض حكم بن بلة بعد الاستقلال، وأعلنت الدولة حداداً وطنياً إثر وفاته سنة 2015.
وعُرف عن أحمد بن شريف، معارضته بعض سياسات الحكومة، في السنوات الأخيرة، وطالب في إحدى المناسبات بوضع حد لنهب المال العام، وهو ما فُسِّر على أنه سبب رئيسي لمقاطعة الجهاز التنفيذي جنازته واكتفائه بتقديم واجب العزاء في اليوم الثالث.
وينظمون مسيرة لرد الاعتبار
انزعاج أولاد نايل من السلطات الجزائرية تُوِّج بمسيرة «رد الاعتبار»، نُظمت الأحد 29 يوليو/تموز 2018، بوسط مدينة الجلفة، وشارك فيها نحو 10 آلاف شخص، وفقاً لتقديرات الناشط الإعلامي جيلالي حرفوش.
وصرح حرفوش، وهو أحد أبناء الجلفة، لـ»عربي بوست»، قائلاً: «إن المسيرة رسالة تنديد بتجاهل الجهات الرسمية جنازة أحمد بن شريف، الذي يعتبر رمزاً نضالياً وبطلاً قومياً بالنسبة لأولاد نايل».
وتابع: «وما حدث في الجنازة كان القطرة التي أفاضت الكأس، وفجَّر غضباً ظل خامداً سنوات؛ بسبب ضعف التنمية وتدني الخدمات الصحية ومستوى التعليم، والشعور بالتمييز من قِبل السكان».
ورفع المشاركون في المسيرة شعاراتٍ مثل: «أولاد نايل فوق كل اعتبار»، و»تمسينا وتضرينا ومن الحقرة يكفينا» وأيضاً «من أهان رموزنا فلا مكان له بيننا».
ويرسلون رسالة سياسية قوية للدولة
ومن بين التهديدات التي أطلقها الغاضبون من تصرف الحكومة الجزائرية تجاه الفقيد أحمد بن شريف، إعلانهم مقاطعة الانتخابات الرئاسية المقبلة، وعدم تجديد الثقة بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة إذا ما قرر الترشح لعهدة خامسة.
في السياق ذاته، قال الإعلامي جيلالي حرفوش: «يجب أخذ هذا التحذير بعين الاعتبار؛ لأن الوعاء الانتخابي لأولاد نايل يتراوح بين 8 و9 ملايين شخص، ما يعني أن الكلمة الأولى لهم في الانتخابات الرئاسية، وإذا لم تتدارك السلطات الموقف، فيمكن أن يختاروا مرشحاً آخر».
وأضاف المتحدث: «أولاد نايل هو أكبر عرش في الجزائر، والمنحدرون منه منتشرون في كل مناطق الجزائر، لكنهم يتلقون التوجيهات ويستقرون على ما يصدر من ولاية الجلفة، التي تعتبر القلب النابض».
ولفت حرفوش إلى نقطة بالغة الحساسية، وهو قيام مشاركين في المسيرة، برفع عَلم أولاد نايل المشكَّل من الأسود والأحمر، وهي المرة الأولى التي يلجأون فيها إلى مثل هذا السلوك، الذي يحمل دلالات كثيرة، على حد قوله.

ورأى المتحدث ذاته، أن تقديم الحكومة اعتذاراً يمكن أن يعيد كل شيء إلى طبيعته، مضيفاً في الوقت ذاته أنه «لو حضر والي الولاية على الأقل في الجنازة لما حدثت كل هذه المشاكل؛ لأنه من الصعب تقبُّل إعلان حداد على أموات دول عربية، وفنانين مثل وردة الجزائرية، ومعطوب الوناس (فنان قبائلي) في حين لم يحظ رجلٌ مثل بن شريف بأية معاملة رسمية».
يُذكر أن الرئيس بوتفليقة بعث برسالة تعزية لأسرة الفقيد بعد يوم واحد من وفاته، وتسلَّمها أبناؤه قبل وصول جثمان والدهم من فرنسا إلى أرض الوطن، في حين ظهر التقصير واضحاً فيما بعد.
وعلق الصحافي أسامة وحيد على مسيرة الجلفة، قائلاً: «البرنوس (لباس تقليدي) يعود إلى أهله، لسنا (قطيع غنم انتخابياً) تَقَدّر بيا نحطك (أضعك) فوق راسي.. تغلط في حقي وحق رجالي أرد لك بضاعتك صاعين». وقال إن «الجميل في وقفة الجلفة أنها كانت (حضارية) ومنظَّمة، وخالية من أي لون سياسي إلا لون (كرامة) الطيبين».
ورئيس الوزراء يصب الزيت على النار
وفي خطوة من شأنها زيادة حدة الاحتقان، عبَّر الوزير الأول أحمد أويحيى، بصفته أميناً عاماً لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، عن رفضه قيام سكان الجلفة بالاحتجاج وطرد الوفد الوزاري، وقال في ندوة صحفية الأحد 29 يوليو/تموز 2018: «من احتجوا على الوفد ليسوا من سكان الجلفة ولا عائلة الفقيد».
وقال أويحيى: «التقاليد الإسلامية تفرض تقبُّل واجب العزاء واستقبال المعزين مهما كان الأمر».
ولم يرسل أويحيى رسالة تعزية إلى عائلة أحمد بن شريف، كما لم ينتقل لتقديم واجب العزاء.
وعلَّق الصحافي قادة بن عمارة على كلام أويحيى، قائلاً: «(أويحيى بخصوص احتجاج سكان الجلفة: من قاموا بالتظاهر ضدّ الوفد الرسمي ليسوا من سكان الجلفة ولا من عائلة المرحوم.. بل مجموعة شباب فقط)! وهؤلاء الشباب من أين جاءوا يا سي أويحيى؟.. من المريخ؟!».














