24 ساعة

  • تحت الاضواء الكاشفة

    orientplus

    الخطوط الملكية المغربية تكتسح السوق الإيطالية.. رفع الطاقة الاستيعابية بـ 26% وفتح خطوط جديدة

    أراء وكتاب

    بانوراما

    الرئيسية | اخبار عامة | سجن الكاتب بوعلام صنصال… النظام الجزائري وتاريخ طويل من قمع المثقفين

    سجن الكاتب بوعلام صنصال… النظام الجزائري وتاريخ طويل من قمع المثقفين

    تميزت بنية النظام الجزائري منذ الاستقلال بظاهرة العسكرياتية في بلدٍ لا تزال سلطة العسكر فيه ترى في الكلمة الحرة تهديدًا وجوديًا، تتصاعد وتيرة القمع بنبرة صامتة ولكنها عميقة الأثر: مثقفون وكتّاب باتوا في مرمى الاستهداف الأمني، دون صخب إعلامي، ودون محاكمة للرأي العام، وكأننا أمام عملية “اغتيال معنوي ممنهج” للعقل الجزائري.

    ليست قضية بوعلام صنصال معزولة، بل هي عنوان لمرحلة جديدة في علاقة السلطة بالفكر الحر في الجزائر: السلطة لم تكتفِ بإخراس من يصرخ، بل تريد الآن خنق من يفكر.

    ولعل الأخطر في هذا المسار، ليس فقط انتهاك حرية التعبير، بل تحويل المثقف إلى“متهم” بحكم مواقفه،لا أفعاله في دولة شنقريحة و تبون،الكتابة أصبحت تهمة، والرأي صار خطرا أمنيا.

    فبعد السيطرة شبه الكاملة على المنظومة الإعلامية،واحتواء أبرز المؤثرين عبر الامتيازات والولاأت، يفتح النظام الجزائري اليوم جبهة جديدة ضد من تبقّى من “أصحاب المناعة الفكرية”: الكتّاب والأدباء. هؤلاء الذين لم يبيعوا ضمائرهم، ولم يهادنوا في حقهم الطبيعي في التفكير، أصبحوا فجأة مشتبهًا فيهم، مجردون من الحماية القانونية، ومطاردون بمذكرات بحث، كما حدث مؤخرًا مع الكاتب كمال داود، الذي تم إدراج اسمه في مذكرة توقيف دولية، في خطوة أثارت صدمة وذهول الأوساط الثقافية والإعلامية، ليس فقط داخل الجزائر بل عبر العالم.

    لم يعد للنظام العسكري الجزائري ما يخفيه، منذ انقلابه على الثورة الجزائرية في يوليوز 1962 وما تلا ذلك من مسلسل اغتيال الديمقراطية ووأد حلم الشعب الجزائري في وطن آمن ودولة تسهر على تدبير ثرواته الباطنية لتحقيق الرفاه والتنمية والعيش الكريم، وطيلة سنوات سطوته على السلطة، راكم تراجعا ليس في قيمة الدينار المحلي فقط، بل على مستوى الأمل في آليات الدولة الحديثة، ومنها تبني سياسات قمع كل من يخالف رأي سلطة .

    قضية سجن الكاتب بوعلام صنصال من طرف النظام العسكري الجزائري، في محاكمة صورية أظهرت بلاد شبه سجن كبير لا مؤسسات لحقوق الإنسان رسمية أو مستقلة بل جمعيات تابعة لنظام تبارك إجراأت القمع وتتحول لألة تشوه مفكرين ومعارضين فيما يقوم إعلام السلطة بإنهاء مهمة.

    ما يقع بالجزائر يضع المجتمع الحقوقي الدولي أمام مرآة صادمة: مرآة الصمت الانتقائي، واللامبالاة الموجّهة، وازدواجية المعايير في التعاطي مع انتهاكات حرية التعبير في دول الجنوب.

    كان من المفروض أن تتصدى، بكل جرأة وشجاعة، هذه المنظمات وكل ما يدور في فلكها لجريمة سجن بوعلام صنصال فالواجب الحقوقي والإنساني والأخلاقي والقانوني يفرض عليها التنديد وإدانة ما جرى من خرق حقوق الإنسان، قبل المطالبة بإطلاق سراحه.

    ما يجري جريمة صمت من طرف تجار و سماسرة حقوق الإنسان حتى بيانات تنديد و قلق لم تعد تصدر وتنتقد فيه نظام حيث قضية اعتقال بوعلام صنصال لم تعد قضية محلية تهم الجزائريين وحدهم، بقدر ما صارت قضية رأي عام دولي ورغم ذلك لم تتحرك المنظمات الدولية في قضية بوعلام صنصال، ولم تعطي لها أدنى اهتمام كما لم تُبد أي انشغال بوضعية الكاتب وصحته ومصيره.

    لقد دخلت الجزائر مرحلة أكثر انغلاقا وسحقا لكل الحريات،تم فيها تفكيك التنظيمات المستقلة، وملاحقة النشطاء، وسجن الصحافيين، وسن قوانين غامضة تتوسع في تفسير “الإرهاب” و”المساس بالوحدة الوطنية” لتشمل كل تعبير نقدي أو موقف مستقل.

    إذا كان النظام الجزائري منغلق، أفلا يكون الدفاع عن ضحاياه أكثر إلحاحا؟ وإذا كان غير قابل للإصلاح، أفلا يستحق أن يفضح أكثر لا أن يسكت عنه؟

    ما يحدث هو أن الدول السلطوية مثل الجزائر، تستفيد من تصنيفها كـ”حالة ميؤوس منها” لتواصل القمع دون تكلفة دولية تذكر رغم أن تاريخ أسود يعود إلى السنوات الأولى من الإستقلالحيث تميّز حكم هواري بومدين (1932- 1978) بتكميم الأفواه وتفكيك المنابر الإعلامية، أو التحكم فيها بشكل أمني مطلق. وهكذاـ توقف اتحاد الكتّاب بصيغته التي رسمها له مولود معمري ورفاقه، وتوقفت مجلة “نوفمبر”، وبدأت هجرة المثقفين جراء الملاحقات والتضييق. فغادر البلد كثير من الكتاب مكرهين، من أمثال المؤرخ الكبير محمد حربي والروائي محمد ديب والمسرحي محمد بودية ومحمد أركون ونبيل فارس وجمال الدين بن الشيخ وغيرهم. والغريب أن جميع هؤلاء المثقفين والأدباء والجامعيين والباحثين استقروا في فرنسا، البلد المستعمر القديم.

    أسماء ثقافية وإبداعية مركزية ورمزية عانت في مرحلة حكم الرئيس بومدين، فقد وضع الشاعر الكبير بشير حاج علي (1920-1991) تحت الإقامة الجبرية في مدينة سعيدة ثم في مدينة عين الصفراء وهي مدينة صغيرة في بوابة الصحراء الجزائرية الكبرى (من 1968-1974). ونفى شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا (1908-1977)، وهو صاحب النشيد الوطني “قسماً”، ومات في المنفى في تونس.

    ويروى أن بومدين من كثرة كرهه للشاعر مفدي زكريا الذي كان يتميز بشعبية كبيرة وبذكاء حاد، قد تفوق شعبية الرئيس بومدين، على الأقل في السنوات الخمس الأولى من حكمه، فقد أمر بتنظيم مسابقة وطنية لاختيار قصيدة شعرية جديدة تكون بديلاً من “قسماً” لمفدي زكريا. وهكذا يتخلص من رمزية هذا الشاعر. ونُظمت المسابقة الشعرية واختيرت لجنة تحكيم حيادية، وقدمت القصائد المشاركة إلى اللجنة من دون أسماء الشعراء، كي تكون الشفافية في الاختيار. وبعد المداولات، اختيرت قصيدة من بين مئات القصائد التي وصلت إلى اللجنة، وحين تم الكشف عن صاحبها، وجد بأنه الشاعر مفدي زكريا، وتم الإعلان عن ذلك، وأمر بومدين بإلغاء المسابقة وتم الاحتفاظ بنشيد “قسماً” كما هو، إذ لا داعي لتغيير قصيدة بقصيدة أخرى للشاعر نفسه، الذي كان يسعى إلى إبعاد اسمه من المحافل، والإلقاء به في سلة مهملات التاريخ.

    ومن الحكايات الغريبة للمثقفين مع النظام، ترشح الشاعر والروائي الكبير مالك حداد لمنصب عضوية المجلس الوطني الشعبي (البرلمان) عن مدينته قسنطينة، وكان ذلك في عهد الحزب الواحد، وفي القائمة الوحيدة للحزب، ولم يفُز بالمنصب، وهو المثقف والشخصية البارزة في قسنطينة وفي الجزائر، ما يؤكد أن أمراً قد جاء “من فوق” لإبعاده من قائمة الفائزين.

    وقد واصل النظام بعد بومدين تعامله وعلاقته مع المثقفين على قاعدة الحذر والتهميش. ولا يذكر التاريخ من الذين استطاعوا أن يحظوا برضى النظام إلا القليل ممن يعدّون على أصابع اليدين، من أمثال مصطفى الأشرف وأحمد طالب الإبراهيمي ورضا مالك وزهور ونيسي. ولكن هؤلاء بشكل عام كانوا يدخلون إلى الحكومة لتوازنات سياسية أو جهوية أو أيديولوجية كان النظام يراها ضرورية بغض النظر عن كفاأتهم أو مواقفهم السياسية أو الفكرية.

    أما الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، الذي أجبره الحراك الشعبي على الاستقالة في 2 أبريل 2019، والذي حكم الجزائر لعشرين سنة من (1999-2019)، فقد كان يكره المثقفين ويتجنبهم ولا يحب التعامل معهم. وقد سعى في بداية حكمه، إلى جذب مجموعة من المثقفين الأجانب، إذ كان يلتقي أسبوعيا مجموعة منهم ومن الصحافيين، غالبيتهم من الأجانب حول مائدة العشاء أو الغداء أو الفطور. وكان بوتفليقة مهتما أساسا بالبحث عن صداقة المثقفين والصحافيين الأجانب لتحسين صورته في الخارج وغير مكترث بما هو جزائري في باب الثقافة والإعلام.

    والمثقفون الذين قربهم أو أدخلهم في حكوماته المتلاحقة، هم قلة، وهم معروفون بالمحافظة والانقياد السهل وعدم الخوض في النقاشات الأساسية والمصيرية في البلد، التي قد تثير قلق هرم السلطة، من أمثال الشاعر عز الدين ميهوبي والكاتب الصحافي حميد قرين أو الصحافية نوارة جعفر.

    وفي عهد سلطة بوتفليقة، فقدت الجزائر كثيرا من رموزها الثقافية التي كانت تقيم في فرنسا، والتي ظلت مهمشة بل منسية، حتى إنها واستنكاراً لهذا التعامل اللاحضاري، فضّلت أن تُدفن خارج البلد، ومن هؤلاء محمد ديب ومحمد أركون ونبيل فارس ورابح بلعمري وماك واري وجمال الدين بن الشيخ ونور الدين عبة والشيخ الحسناوي. وهذا الدفن خارج التراب الجزائري يرمز إلى حجم القطيعة ما بين المثقفين والنظام السياسي.

    إن صورة المثقف في عين السلطة الجزائرية وخلال خمسين سنة هي صورة قريبة من ملامح صورة العدو، الذي يجب الحذر من تفكيره وأفكاره. وانطلاقا من ذلك، فقد أصر النظام على وضع مسافة كبيرة بينه وبين المثقفين.


    الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة وطنية | orientplus.net

    تعليقات الزوّار

    أترك تعليق

    من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.