الجزائر: 15 منظمة حقوقية تندد بتوسيع الإعدام وتحذر من خنق الحريات للتغطية على الإخفاقات
أدانت خمس عشرة منظمة حقوقية دولية وإقليمية، في بيان مشترك، توسيع السلطات الجزائرية نطاق تطبيق عقوبة الإعدام في المنظومة الجنائية، محذرة من نسف الوقف الفعلي لتنفيذ هذه الأحكام والمعمول به في البلاد منذ سنة 1993.
انطلقت هذه الدينامية الحقوقية عقب نداء دولي قادته «الشبكة المغاربية لمناهضة عقوبة الإعدام»، حصد أكثر من 770 توقيعا من ضمنها 35 منظمة غير حكومية، رفضا لمسار تشريعي متسارع جاء إثر حرائق الغابات التي اجتاحت أكثر من 13 ولاية جزائرية، خلال الصيف الماضي.
اندلع هذا التحول التشريعي المثير للجدل في أعقاب الحرائق الضخمة التي اجتاحت غابات الشمال الشرقي الجزائري، لا سيما ولايات جيجل وبجاية وتيزي وزو، خلال شهر غشت 2026.
وأصدرت الرئاسة الجزائرية في 30 غشت 2026 أوامر بمراجعة فورية للمنظومة الجنائية، معلنة التوجه لإعدام المدانين بإشعال النيران بعد استنفاد مراحل الطعن، لتتوج هذه التوجيهات بنشر التعديل رسميا في الجريدة الرسمية بتاريخ 13 أكتوبر، متضمنا أحكاما غير مسبوقة تفرض العقوبة القصوى حتى في حال عدم تسجيل أي خسائر بشرية.
وسارعت غرفتا البرلمان، المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، إلى إقرار النص في وقت قياسي مطلع شهر أكتوبر، قبل صدوره رسميا في الجريدة الرسمية يوم 13 أكتوبر.
وأدخلت التعديلات الجديدة أفعالا إضافية تحت طائلة الإعدام، تشمل إضرام النار في الغابات والحقول حتى في حال انعدام الخسائر البشرية، وحرق الممتلكات العامة أو الخاصة، واختطاف الأطفال المقترن بسوء المعاملة.
كما أسقط المشرع إمكانية الاستفادة من ظروف التخفيف، مما يعيد فرض الإعدام كحكم إجباري، بالتزامن مع توسيع دائرة التجريم لتشمل التحريض والتشجيع عبر الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي.
حذرت الهيئات الحقوقية من خطورة الضبابية التي تكتنف مفهومي «التحريض» و«التشجيع». وعلقت ديانا الطحاوي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في «منظمة العفو الدولية»، مؤكدة أن اعتماد هذه التعديلات يمثل «ضربة قاصمة لحقوق الإنسان، كما أنه يتعارض مع التزامات الجزائر الدولية»، لافتة إلى أن النص جرى تمريره على عجل دون مشاورات فعالة مع المنظمات الحقوقية والمحامين.
وفي السياق ذاته، نبهت «منظمة شعاع لحقوق الإنسان» إلى خطورة استناد المادتين 396 مكرر 1 و2 إلى صياغات فضفاضة ذات طابع سياسي، من قبيل المساس بـ«الوحدة الوطنية» و«استقرار المؤسسات وسيرها العادي».
وأكدت المنظمة الكائن مقرها في لندن على أن هذه التوصيفات تتقاطع مباشرة مع مقتضيات المادة 87 مكرر، محذرة من الانزلاق نحو تأويلات عقابية موسعة تخلط عمدا بين التعبير السلمي على المنصات الرقمية وبين المشاركة الجرمية في أفعال تسلب الحق في الحياة.
وترى هاته المنظمات أن غياب التعريف القانوني الدقيق يفتح الباب أمام ملاحقات تعسفية واسعة النطاق، ويخلق حالة من الترهيب تثني المواطنين عن التعبير عن آرائهم وانتقاد إدارة السلطات للأزمات الميدانية.
وتؤكد المنظمات في بيانها أن هذه التعديلات تصطدم بالتزامات الجزائر الدولية، وفي طليعتها المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المصادق عليه سنة 1989، والتي تحصر الإعدام حصرا في «الجرائم الأكثر خطورة» المقترنة بالقتل العمد.
وبالتوازي مع ذلك، شدد خبراء الأمم المتحدة، في بلاغ صدر في 30 شتنبر 2026، على ضرورة مراجعة هذه التوجهات التشريعية لملاءمتها مع المواثيق الدولية وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 17 دجنبر 2024.
امتصاص الغضب والهروب من المساءلة
ويرى مراقبون وفاعلون حقوقيون أن إسراع النظام الجزائري في تمرير هذه الترسانة العقابية يخفي وراءه أهدافا تتجاوز الردع الجنائي المعلن، إذ تكشف المعطيات الميدانية مسعى السلطات إلى امتصاص الغضب الشعبي المتكرر مع كل موسم حرائق، عبر البحث عن كبش فداء يعلق عليه الفشل الهيكلي في حماية الأرواح وإدارة الأزمات، في ظل غياب التجهيزات الضرورية وضعف الجاهزية اللوجستية للتدخل السريع.
وسجلت «منظمة شعاع» أن التلويح بتنفيذ الإعدام لا يحل مطلقا محل كشف الحقيقة ولا يعفي الدولة من المساءلة عن إخفاقها في حماية مواطنيها، مطالبة بالإفصاح الفوري عن حصيلة رسمية شاملة للضحايا والمفقودين، وإخضاع أداء المؤسسات المكلفة بالإنذار المبكر والإجلاء والإنقاذ لتحقيقات مستقلة ونزيهة.
وفي الاتجاه عينه، شددت مسؤولة «منظمة العفو الدولية» على رفض توظيف الأزمات لتبرير القتل القضائي، مبرزة أن «الخسائر المأساوية في الأرواح التي تسببت فيها حرائق الغابات يجب ألا تُستخدم لتبرير المزيد من الخسائر في الأرواح، فعقوبة الإعدام هي أقصى أشكال العقوبات القاسية واللاإنسانية والمهينة، وتمثل حرمانا لا رجعة فيه من الحق في الحياة».
وعلاوة على امتصاص الاحتقان، يبرز التوظيف الأمني لتهم النشر كأداة ردع مباشرة تستهدف الفضاء الرقمي، بوصفه المنفذ الوحيد المتبقي للتعبير الحر وتوثيق تقصير الأجهزة التنفيذية، حيث يتيح إدراج بنود فضفاضة تجرم التعبير الإلكتروني سيفا مسلطا على رقاب الناشطين والصحفيين لإلجام أي نقاش عمومي حول مسؤولية الدولة عن الكوارث.
وأمام هذا المنعطف المقلق، دعت المنظمات الموقعة السلطات الجزائرية إلى التراجع الفوري عن هذه المواد وتكريس التجميد الفعلي رسميا كخطوة نحو الإلغاء النهائي، مؤكدة مع «أمنستي» على أن المساءلة تقتضي «إجراء تحقيق شامل في جميع العوامل التي أدت إلى خسائر في الأرواح، بما في ذلك أي تقصير من جانب المسؤولين العموميين في منع وقوع هذه الخسائر أو في اتباع إجراءات الاستجابة لحالات الطوارئ»، درءا لأخطاء قضائية لا سبيل لتداركها.
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة وطنية | orientplus.net
تعليقات الزوّار
أترك تعليق
من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
صوت وصورة
فيلم “مدهش” لوزارة الدفاع يتهم “أمير دي زاد” وفرنسا “بحرق الجزائر”!
المنصوري: تخليق السياسة سبيل لاستعادة ثقة المواطنين
أين تذهب مليارات الجزائر
الجزائر …الانتخابات المحلية، القدرة الشرائية و السلطة تواصل الإنكار
أين تذهب أموال الجزائر؟ تبون يتجه لإنفاق في عهدتين ما أنفقه بوتفليقة في20عاما
جامعة للا أسماء .. نموذج أكاديمي جديد يجمع الطلبة الصم بالطلبة السامعين ومهنيين داخل فضاء جامعي واحد
الدار البيضاء.. افتتاح توسعة الموقع الصناعي لشركة ” سافران إلكتريكل آند باور”
المعارض أبو طالب شبوب : سياسة الجزائر الخارجية يحكمها المزاج
قضية الـ61 مغربيا.. إعلام يروّج وأسئلة غائبة
ولي العهد الأمير مولاي الحسن يترأس افتتاح الدورة الـ 17 لمعرض الفرس للجديدة
رسميا .. التوافق على أغلبية سياسية تتكوَّنُ من أربعة أحزاب لتشكيل الحكومة الجديدة


