وإذا جرى تثبيت هذه النسبة بعد إعلان النتائج النهائية، فإن الجزائر ستكون أمام أدنى مستوى مشاركة انتخابية في تاريخها الحديث، متجاوزة حتى انتخابات 2021 التي كانت قد سجلت بدورها نسبة مشاركة ضعيفة لم تتعد 23 في المائة.
وعلى الرغم من تمديد فترة الاقتراع ساعة إضافية في محاولة لرفع نسبة الإقبال، ومن الدعوات الرسمية المتكررة للمواطنين من أجل التوجه إلى مراكز التصويت، فإن مشاهد مراكز الاقتراع شبه الخالية في عدة مناطق، خصوصا في العاصمة، أعادت إلى الواجهة سؤالا بات يتكرر مع كل استحقاق انتخابي: هل أصبح جزء واسع من الجزائريين غير مقتنع بجدوى المشاركة السياسية؟
قراءة هذا العزوف من زاوية تقنية أو انتخابية فقط تبدو قاصرة عن فهم السياق العام. فخلف الأرقام تبرز حالة تراكمية من الإحباط السياسي والاجتماعي، غذتها سنوات من الأزمات الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات البطالة، إلى جانب شعور متزايد لدى فئات واسعة بأن المؤسسات المنتخبة لم تعد تمتلك تأثيرا فعليا في صناعة القرار السياسي أو تحسين الأوضاع المعيشية.
الأزمة السياسية في الجزائر تتجاوز مسألة التنافس بين الأحزاب أو مستوى الحملات الانتخابية، لتصل إلى أزمة ثقة أعمق تمس الطبقة السياسية برمتها، فالأحزاب التقليدية، سواء تلك المحسوبة على السلطة أو المعارضة، تواجه منذ سنوات اتهامات بالعجز عن تقديم بدائل حقيقية أو إنتاج خطاب قادر على استعادة اهتمام الشارع، بينما تبدو الانتخابات بالنسبة لجزء من الجزائريين مجرد محطة دورية لا تغير كثيرا من موازين القوى القائمة.
ويأتي ذلك في ظل نظام سياسي ما زالت تتداخل داخله الأبعاد المدنية والعسكرية في إدارة الشأن العام، فمنذ وصول الرئيس عبد المجيد تبون إلى السلطة عقب انتخابات 2019، بقيت المؤسسة العسكرية، فاعلا أساسيا في المشهد السياسي الجزائري، لكن بقيادة اسم آخر هو رئيس أركان الجيش الفريق أول السعيد شنقريحة، الذي خلف أحمد قايد صالح إثر وفاته المفاجئة.
ورغم تأكيد السلطات مرارا على احترام المؤسسات الدستورية، فإن قطاعات من المعارضين والنشطاء تعتبر أن مراكز التأثير الحقيقية لا تزال تتجاوز المؤسسات المنتخبة، وهو ما يضعف لدى شريحة من المواطنين الإحساس بأن أصواتهم الانتخابية قادرة على إحداث تغيير فعلي.
كما يرتبط هذا المشهد بمآلات الحراك الشعبي الذي انطلق في فبراير 2019، حين خرج ملايين الجزائريين إلى الشوارع رافعيم جعار “يتنحاو كاع”، مطالبين بتغيير جذري للنظام السياسي وإنهاء هيمنة النخب التقليدية وإبعاد المؤسسة العسكرية عن المجال السياسي.
ورغم نجاح الحراك في إنهاء حقبة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، فإن المراقبين للشأن المغاربي يعتبرون أن جزءا كبيرا من بنية السلطة السياسية بقي قائما، وأن المطالب المتعلقة بإعادة بناء الحياة السياسية على أسس جديدة لم تتحقق بالشكل الذي كانت تطمح إليه قطاعات واسعة من المحتجين.
وخلال السنوات الأخيرة، تزايدت كذلك الانتقادات المرتبطة بتراجع هامش الحريات السياسية والمدنية والنقابية، مع تضييق طال أحزابا وشخصيات معارضة ونشطاء وصحفيين، بحسب ما تصنيفات وتقارير منظمات حقوقية محلية ودولية، مثل “هيومن راتس ووتش” و”صحافيون بلا حدود”، هذا إلى جانب حالات عديدة لاعتقال ومحاكمة وسجن معارضين وصحافيين وحقوقيين.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو العزوف الانتخابي الحالي بالنسبة إلى كثير من المتابعين انعكاسا لحالة أوسع من الانسحاب الصامت من المجال العام، حيث لم يعد الامتناع عن التصويت مجرد موقف من الانتخابات نفسها، بل رسالة سياسية تعكس فقدان الثقة في قدرة النظام السياسي القائم على إنتاج تغيير يشعر المواطن بآثاره في حياته اليومية.














