24 ساعة
تحت الاضواء الكاشفة
أراء وكتاب
بانوراما
من وعود تصدير الكهرباء إلى أوروبا … إلى انقطاع شامل داخل البلاد تضع الرواية الرسمية الجزائرية أمام حقيقة مؤلمة
شهدت الجزائر، ليلة الثلاثاء – الأربعاء، واحدة من أكبر اضطرابات شبكة الكهرباء خلال السنوات الأخيرة، بعدما انقطع التيار الكهربائي عن 16 ولاية، معظمها في شرق البلاد، واستمر الانقطاع في بعض المناطق قرابة ست ساعات، في وقت كانت السلطات تتحدث منذ أشهر عن امتلاك البلاد فائضا كبيرا في إنتاج الكهرباء، وتروج لمشاريع لتصدير الطاقة نحو أوروبا، فضلا عن إنجاز محطات كهربائية خارج الحدود.
وزارة الطاقة الجزائرية أعلنت أن الخلل انطلق من منشأة كهربائية استراتيجية في منطقة سيدي عقبة بولاية بسكرة، متأثرا بارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، قبل أن تنتقل الاضطرابات عبر الشبكة الوطنية المترابطة لتشمل ولايات عديدة في شرق البلاد، مع تسجيل اضطرابات متفرقة في ولايات أخرى، بينها الجزائر العاصمة والبويرة وغرداية، حيث وصف وزير الطاقة الحادث بأنه “استثنائي”، مؤكدا أن الفرق التقنية تمكنت من إعادة التيار الكهربائي بالكامل في حدود الرابعة صباحا، بعد تعبئة خلية أزمة ومتابعة مباشرة من الوزير الأول وعدد من كبار المسؤولين.
غير أن حجم الانقطاع واتساع رقعته لم يمر دون إثارة نقاش واسع، لأن الحادث لم يكن مجرد عطب تقني معزول، بل أعاد إلى الواجهة مسألة قدرة شبكة النقل والتوزيع على الصمود أمام الضغط، خصوصا في بلد يصنف ضمن كبار منتجي الغاز الطبيعي في إفريقيا، ويملك محطات إنتاج كهربائي تعتمد بشكل شبه كلي على هذا المورد.
فالمفارقة أن دولة تمتلك هذه الإمكانات الطاقية وجدت نفسها أمام انقطاع واسع أصاب ملايين السكان، وهو ما يسلط الضوء على أن إنتاج الكهرباء وحده لا يكفي إذا لم تكن شبكات النقل والمراقبة والتوزيع مؤهلة لاستيعاب الطلب المتزايد ومواجهة الأعطاب المفاجئة.
وتزداد هذه المفارقة وضوحا عند استحضار تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي أكد في أكثر من مناسبة أن الجزائر تتوفر على فائض في إنتاج الكهرباء يقدر بنحو 12 ألف ميغاواط، معتبرا أن هذا الفائض يفتح الباب أمام مشاريع استراتيجية لتصدير الكهرباء نحو أوروبا، خاصة عبر مشروع ربط بحري مع إيطاليا، إضافة إلى مواصلة تزويد تونس بالطاقة الكهربائية خلال فترات الذروة، وهي التصريحات التي قدمت صورة عن منظومة كهربائية قوية وقادرة ليس فقط على تلبية الطلب الداخلي، بل أيضا على لعب دور إقليمي ودولي في سوق الطاقة.
إلا أن الانقطاع الأخير أعاد طرح سؤال جوهري حول الفرق بين القدرة الإنتاجية النظرية والقدرة الفعلية على ضمان استمرارية الخدمة، فالأزمة، وفق ما تكشفه المعطيات الرسمية نفسها، لم تكن مرتبطة بنقص في الإنتاج، إذ سبق لشركة سونلغاز أن أعلنت إضافة 1850 ميغاواط إلى قدراتها، لكنها ارتبطت بضعف مرونة الشبكة أمام الأعطاب واتساع تأثير خلل واحد ليشمل عددا كبيرا من الولايات، وهو المعطى الذي يعكس ضعف البنية التحتية التي تنقل الكهرباء وتوزعه وتحميه من الانهيارات المتسلسلة.
كما أن السلطات الجزائرية أقرت ضمنيا بوجود هذا التحدي عندما أعلنت إطلاق برنامج يمتد لخمس سنوات لإعادة تأهيل نظام المراقبة والتحكم في الشبكة الوطنية، وهو برنامج يبدأ بالمدن الكبرى قبل تعميمه تدريجيا، ويعني ذلك أن تحديث المنظومة لم يكتمل بعد، وأن الشبكة الحالية ما زالت تحتاج إلى استثمارات كبيرة حتى تواكب الارتفاع القياسي في الطلب، خاصة مع موجات الحر التي أصبحت أكثر تكرارا وشدة بفعل التغيرات المناخية.
وفي خضم هذه التطورات، عاد إلى الواجهة أيضا مشروع محطة توليد الكهرباء التي أنجزتها الجزائر في النيجر بقدرة إنتاجية تبلغ 40 ميغاواط، والذي دشنه الوزير الأول الجزائري في يونيو الماضي بتمويل جزائري كامل وتنفيذ فرق تابعة لمجمع سونلغاز، حيث قدمت الجزائر هذا المشروع باعتباره تجسيدا لسياسة التضامن مع الدول الإفريقية وتعزيزا للتنمية في منطقة الساحل، مع التأكيد على نقل الخبرة الجزائرية وتكوين الأطر المحلية.
غير أن توقيت هذا المشروع وسياقه السياسي يفتحان الباب أمام قراءات مختلفة، خاصة في ظل التحولات التي تعرفها منطقة الساحل والتنافس الإقليمي على توسيع النفوذ وبناء التحالفات، فالنيجر أصبحت خلال الفترة الأخيرة إحدى الساحات الرئيسية لإعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة، في وقت شهدت فيه علاقات الجزائر مع عدد من دول الساحل توترات متزايدة واختلافات في المقاربات الأمنية والدبلوماسية.
ولعل أكثر ما تكشفه هذه الأزمة هو المفارقة الصارخة بين خطاب السلطة الجزائرية وممارساتها على الأرض، فبينما سخرت إمكانات مالية وتقنية لإنجاز محطة كهربائية في النيجر، في خطوة قرأها كثيرون باعتبارها جزءا من مساعي استمالة حلفاء جدد في منطقة الساحل وسط التوتر الذي يطبع علاقاتها بعدد من دولها، كانت الشبكة الكهربائية داخل الجزائر تعاني هشاشة جعلت عطبا واحدا كفيلا بإغراق 16 ولاية في العتمة.
وتبرز هذه المفارقة أن الجزائر انشغلت بتصدير صورة “القوة الطاقية” إلى الخارج أكثر من انشغالها بتأمين منظومتها الوطنية، الأمر الذي أوقع الخطاب الرسمي في تناقض واضح بين الحديث عن فائض ضخم من الكهرباء والطموح إلى تصديرها، وبين واقع داخلي كشف محدودية جاهزية البنية التحتية أمام اختبار ميداني واحد.
وتكشف هذه الأزمة أيضا أن امتلاك احتياطات ضخمة من الغاز والنفط لا يعني تلقائيا امتلاك منظومة كهربائية محصنة ضد الأعطاب، فنجاعة قطاع الكهرباء تقاس بقدرته على ضمان استمرارية الخدمة، وسرعة عزل الأعطال، وقوة شبكات النقل، وكفاءة أنظمة المراقبة والتحكم، وهي عناصر لا تقل أهمية عن حجم الإنتاج نفسه، لذلك،
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة وطنية | orientplus.net
تعليقات الزوّار
أترك تعليق
من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
صوت وصورة
تنفيذا للتعليمات السامية لجلالة الملك.. بوريطة ولوديي يستقبلان الممثل السامي لمجلس السلام في غزة
الوزير الأول الفرنسي: موقف فرنسا من الصحراء المغربية ثابت ولن يتغير
شراكة تتوسع.. اتفاقيات مغربية فرنسية في التعليم والطيران والماء
16 ولاية جزائرية في الظلام: هل فقدت السلطة السيطرة على قطاع الكهرباء؟
التزام ميداني ودبلوماسي بدعم حقوق الشعب الفلسطيني بقيادة الملك محمد السادس رئيس لجنة القدس
القنيطرة: حفل إطلاق الطرازين الجديدين: “فيات فاستباك” و”فيات غريزلي لمجموعة “ستيلانتيس”
انقطاع واسع للكهرباء في الجزائر ..والوزير: نحن الأفضل في إفريقيا !
بحلة بهية وتقنيات حديثة.. افتتاح المحطة الطرقية الجديدة العزوزية بمراكش
رأس بـ900 أورو..فضيحة استيراد مليون أضحية “تهز” الجزائر
صرخة من الجنوب الجزائري .. “وين راهي الكرامة؟” تريسيتي مقطوعة والسخانة 50 درجة!
الاقتصاد الجزائري في خطر: حقائق لا تظهر في العناوين


